بعد 21 سنة من الانطلاقة.. المبادرة الوطنية للتنمية البشرية تراهن على الحكامة وصناعة الأثر

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

تحل الذكرى الحادية والعشرون لإطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية هذه السنة في سياق يتسم بتزايد النقاش حول فعالية السياسات الاجتماعية وقدرتها على تحقيق أثر ملموس في حياة المواطنين، بعدما تحولت المبادرة، منذ إطلاقها سنة 2005، من برنامج لمحاربة الفقر والهشاشة إلى ورش استراتيجي يضع الرأسمال البشري في صلب التنمية.
وتحت شعار “حكامة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية: رافعة للإدماج والمشاركة لدعم التنمية البشرية”، تعود المبادرة إلى الواجهة ليس فقط كذكرى سنوية، بل كنموذج مغربي راكم تجربة واسعة في مجالات محاربة الإقصاء الاجتماعي، وتقليص الفوارق المجالية، وتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية.

من معالجة الخصاص إلى الاستثمار في الإنسان

عند انطلاقها قبل أكثر من عقدين، ركزت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية على الاستجابة للحاجيات الأساسية للمناطق الأكثر هشاشة، خاصة بالعالم القروي والأحياء الناقصة التجهيز، من خلال مشاريع مرتبطة بالبنيات التحتية، والماء الصالح للشرب، والكهرباء، وفك العزلة، ودعم الخدمات الاجتماعية.
غير أن فلسفة المبادرة شهدت تحولا تدريجيا مع مرور السنوات، حيث انتقلت من منطق التدخل الاجتماعي المباشر إلى منطق الاستثمار طويل الأمد في الإنسان، عبر برامج تستهدف الطفولة المبكرة، والتعليم الأولي، وصحة الأم والطفل، والإدماج الاقتصادي للشباب.
وقد مرت المبادرة بثلاث مراحل أساسية؛ الأولى بين 2005 و2010، والثانية من 2011 إلى 2018، ثم المرحلة الثالثة التي انطلقت سنة 2019، والتي ركزت بشكل أكبر على تنمية الرأسمال البشري للأجيال الصاعدة.

أرقام تعكس اتساع الورش الاجتماعي

خلال المرحلتين الأولى والثانية، تم إنجاز ما يقارب 43 ألف مشروع ونشاط اجتماعي وتنموي باستثمارات بلغت حوالي 43 مليار درهم، ساهمت المبادرة منها بـ28 مليار درهم، في وقت شملت فيه التدخلات قطاعات متعددة كالصحة والتعليم والبنيات الأساسية ودعم الأنشطة المدرة للدخل.
أما المرحلة الثالثة، فقد سجلت إلى غاية سنة 2022 إنجاز أزيد من 25 ألف مشروع ونشاط بغلاف مالي تجاوز 10 مليارات درهم، من بينها آلاف الوحدات الخاصة بالتعليم الأولي، إضافة إلى مشاريع مرتبطة بمواكبة الشباب وتحسين قابلية التشغيل ودعم الفئات الهشة.
وتكشف هذه الأرقام حجم التحول الذي عرفته المبادرة، والتي أصبحت اليوم واحدة من أكبر أوراش الاستثمار الاجتماعي بالمغرب، سواء من حيث الميزانيات أو عدد المستفيدين أو المجالات التي تشملها تدخلاتها.

الحكامة في قلب المرحلة الجديدة

اختيار الحكامة كشعار للذكرى الحادية والعشرين يعكس توجها جديدا نحو التركيز على جودة التدبير وفعالية الأثر، بعدما لم يعد النقاش مرتبطا فقط بعدد المشاريع المنجزة، بل بمدى قدرتها على الاستمرار وتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.
وفي هذا الإطار، تعتمد المبادرة على شبكة واسعة من هيئات الحكامة المحلية والإقليمية والجهوية، تضم آلاف الأعضاء من مختلف الفاعلين المؤسساتيين والجمعويين، بهدف ضمان تشخيص أدق للحاجيات وتتبع أفضل للمشاريع.
كما تراهن المبادرة على تعزيز المشاركة المواطنة، من خلال إشراك الساكنة والفاعلين المحليين في تحديد الأولويات واقتراح المشاريع وتتبع تنفيذها، بما يساهم في خلق مشاريع أكثر ارتباطا بالاحتياجات الحقيقية للمواطنين.

التعليم الأولي وصحة الطفل.. أولوية المرحلة الثالثة

من أبرز التحولات التي عرفتها المبادرة خلال السنوات الأخيرة، التركيز على الطفولة المبكرة باعتبارها مدخلا أساسيا لتحقيق تكافؤ الفرص ومحاربة الهدر المدرسي مستقبلا.
ولهذا، تم إطلاق آلاف وحدات التعليم الأولي بالمناطق القروية والهشة، إلى جانب برامج تهتم بصحة الأم والطفل، والتغذية، والدعم المدرسي، في محاولة لمعالجة أسباب الهشاشة منذ المراحل الأولى من حياة الطفل.
ويرى متابعون أن هذا التوجه يعكس تطورا في مفهوم التنمية، حيث لم تعد التنمية مرتبطة فقط بالبنيات والتجهيزات، بل أصبحت مرتبطة ببناء الإنسان وتحسين شروط اندماجه الاجتماعي والاقتصادي منذ الطفولة.

الإدماج الاقتصادي للشباب.. الرهان الأصعب

في مقابل الاهتمام بالطفولة، يشكل الإدماج الاقتصادي للشباب أحد أكثر الملفات تعقيدا داخل ورش المبادرة، خاصة في ظل ارتفاع معدلات البطالة وصعوبة الولوج إلى فرص الشغل.
ولهذا، تعمل المبادرة على دعم المشاريع المدرة للدخل، وتشجيع روح المبادرة والمقاولة الذاتية، ومواكبة الشباب الحاملين للأفكار والمشاريع، عبر منصات وبرامج للتوجيه والتأطير والمواكبة.
غير أن نجاح هذا الورش يظل رهينا بقدرة المشاريع الممولة على الاستمرار وخلق دخل مستدام، بعيدا عن الحلول الظرفية أو المبادرات المحدودة الأثر.

تحديات المرحلة المقبلة

رغم الحصيلة المهمة التي راكمتها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية خلال 21 سنة، فإن المرحلة المقبلة تفرض تحديات جديدة، أبرزها تعزيز الاستدامة، وتحسين آليات التقييم وقياس الأثر، وضمان العدالة المجالية في توزيع المشاريع والخدمات.
كما يظل التنسيق بين المبادرة وباقي القطاعات الحكومية عاملا حاسما في تحقيق الالتقائية المطلوبة، خاصة في مجالات التعليم والصحة والتشغيل والتنمية الاجتماعية.
وفي ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة، تبدو المبادرة الوطنية للتنمية البشرية مطالبة اليوم بالانتقال من منطق إنجاز المشاريع إلى منطق صناعة الأثر، وربط التنمية بتحسين فعلي لشروط عيش المواطنين، خاصة في المناطق الهشة والقروية.

فبعد واحد وعشرين عاما من انطلاقتها، تواصل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ترسيخ موقعها كورش اجتماعي استراتيجي بالمغرب، نجح في توسيع نطاق التدخلات الاجتماعية والتنموية، وفتح المجال أمام مقاربة قائمة على القرب والمشاركة والحكامة الترابية.
وبين رهانات الرأسمال البشري، وتحديات الإدماج الاقتصادي، وأسئلة الأثر والاستدامة، تدخل المبادرة مرحلة جديدة عنوانها الأساسي: كيف تتحول المشاريع إلى تغيير حقيقي ومستدام في حياة المواطنين؟

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.