حمام السياسة.. يلتقط قوته بين الناس ثم يختفي فوق السحاب
في الطبيعة، يقضي الحمام ساعات طويلة متنقلاً بين الحقول والضيعات والسهول، يلتقط قوت يومه من الأرض، ويبقى قريبًا من محيطه حتى يشبع، ثم يحلق عاليًا فوق السحاب ويغيب عن الأنظار. إنها صورة تبدو عادية في عالم الطيور، لكنها كثيرًا ما تستحضر لدى المواطنين مشهدًا سياسيًا يتكرر مع كل محطة انتخابية.
فمع اقتراب موعد الاقتراع، تتحول الأحياء والقرى إلى وجهة دائمة للمرشحين، حيث تتكاثر الزيارات، وتكثر المصافحات، وتتوالى الوعود التي ترسم آمالًا كبيرة في تحسين الأوضاع. غير أن هذا الحضور المكثف لا يلبث أن يتراجع بمجرد انتهاء الانتخابات، ليجد كثير من المواطنين أنفسهم أمام مسؤولين غابوا عن الميدان، وأصبح التواصل معهم أكثر صعوبة مما كان عليه قبل الفوز.
هذا الواقع يطرح سؤالًا جوهريًا حول مفهوم المسؤولية السياسية. فالثقة التي يمنحها الناخب ليست تفويضًا مؤقتًا ينتهي بانتهاء الحملة الانتخابية، بل هي التزام أخلاقي وسياسي يفرض مواصلة الإنصات لقضايا المواطنين، وتتبع ملفاتهم، والدفاع عن مصالحهم طوال مدة الولاية.
لقد تغير وعي الناخب المغربي، وأصبح يقيم المسؤولين بما يحققونه من نتائج ملموسة، لا بعدد التجمعات الخطابية أو كثافة الشعارات الانتخابية. فالمصداقية تُبنى بالعمل الميداني، وبالحضور المستمر، وبالقدرة على تحويل الوعود إلى مشاريع وإنجازات يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
إن السياسة التي ترتبط بمواسم الانتخابات فقط تفقد بريقها سريعًا، بينما تظل الثقة من نصيب المسؤول الذي يجعل من القرب من المواطنين أسلوبًا دائمًا في تدبير الشأن العام، لا مجرد وسيلة لكسب الأصوات.
قد يكون من طبيعة الحمام أن يحلق بعيدًا بعد أن يجد غذاءه، أما في العمل السياسي، فإن الارتفاع الحقيقي لا يقاس بالمنصب، بل بمدى البقاء قريبًا من الناس، والاستمرار في خدمتهم، لأن المسؤولية ليست موسمًا انتخابيًا، وإنما عهدٌ متواصل مع المواطنين.