الانتخابات التشريعية 2026 حين تنتهي الشعارات ويبدأ امتحان المصداقية والوفاء بالوعود

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

مع اقتراب الإنتخابات التشريعية 2026، تعود اللقاءات التواصلية الحزبية إلى الواجهة، وتعلو الشعارات وتتعدد الوعود، ويكثر الحديث عن المستقبل والتنمية والإصلاح وتحسين ظروف عيش المواطنين. غير أن المواطن اليوم لم يعد يبحث فقط عن من يتحدث إليه، بل أصبح يريد أن يعرف من يستطيع أن يترجم الكلام إلى أفعال، والوعود إلى مشاريع، والبرامج إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.

فاللقاءات التواصلية، مهما كانت أهميتها، لا تبني مدرسة ولا تشيد مستشفى ولا تخلق فرص الشغل، والشعارات مهما كانت براقة لا تصلح طريقاً ولا توفر نقلاً لائقاً ولا تعالج اختلالاً اجتماعياً أو اقتصادياً. كما أن الوعود التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ لا يمكن أن تكون أساساً لبناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.

لقد أصبح من الضروري أن تنتقل الممارسة السياسية من مرحلة الخطاب إلى مرحلة الإنجاز، ومن استعراض البرامج إلى تقديم الحصيلة، ومن إطلاق الوعود إلى تحديد الالتزامات والآجال والمسؤوليات. فالمواطن يريد مشاريع حقيقية، ويريد أن يرى أثر السياسات العمومية في حياته اليومية، داخل الأحياء والمدن والقرى، وفي المدرسة والمستشفى والإدارة وسوق الشغل.

إن المسؤولية السياسية ليست امتيازاً ولا منصة للظهور، وإنما هي تكليف يرتبط بخدمة المواطنين والدفاع عن مصالحهم وتحقيق التنمية. فالوزير مطالب بأن يترك أثراً في القطاع الذي يشرف عليه، والمنتخب مطالب بأن يكون صوت المواطنين داخل المؤسسات، والحزب مطالب بأن يقدم حلولاً واقعية وبرامج قابلة للتنفيذ، لا أن يكتفي بتكرار العبارات نفسها في كل موسم انتخابي.

ولذلك فإن المواطن من حقه أن يسأل كل حزب وكل مرشح عن حصيلته، وعن المشاريع التي تحققت، وعن الوعود التي لم تتحقق، وعن الأسباب التي حالت دون تنفيذها. ومن حقه كذلك أن يعرف ماذا سيُنجز مستقبلاً، وكيف سيتم تمويل المشاريع، وما الآجال المحددة لتنفيذها، ومن سيتحمل مسؤولية المتابعة والمحاسبة.

فالديمقراطية لا تختصر في الوصول إلى صناديق الاقتراع، وإنما تبدأ بعد ظهور النتائج، حين يصبح المنتخب أمام امتحان الوفاء بالتزاماته وخدمة المواطنين. والصوت الانتخابي ليس شيكاً على بياض، وإنما هو ثقة ومسؤولية وأمانة ينبغي أن تمنح لمن يمتلك الكفاءة والنزاهة والقدرة على العمل.

المغرب اليوم يحتاج إلى ممارسة سياسية جديدة تجعل من الإنجاز معياراً للحكم على المسؤولين، وتضع المواطن في قلب السياسات العمومية، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، وتمنح الكفاءات الحقيقية فرصة للمساهمة في بناء المستقبل.

فالبلاد لا تتقدم بكثرة اللقاءات ولا بضجيج المنصات، وإنما تتقدم بالمشاريع المنجزة، والاستثمارات المنتجة، والبنيات التحتية، والمدارس والمستشفيات، والإدارة الفعالة، وفرص الشغل، والعدالة الاجتماعية والمجالية.

لقد حان الوقت لكي يدرك الجميع أن زمن الوعود السهلة ينبغي أن يفسح المجال لزمن العمل الجاد. فالمواطن لا يريد من السياسي أن يَعِده بكل شيء، بل يريد منه أن يكون صادقاً في وعوده، واقعياً في برنامجه، واضحاً في التزاماته، وقادراً على تحويل الإمكانيات المتاحة إلى إنجازات.

وحين تنتهي الحملة الانتخابية، تختفي الشعارات وتغلق المنصات، لكن المشاريع التي أُنجزت تبقى شاهدة على أصحابها، كما أن الوعود التي لم تتحقق تبقى بدورها حاضرة في ذاكرة المواطن.

لهذا فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون مرحلة اختيار للكفاءة والمسؤولية، لا مرحلة بيع للأحلام. فالمواطن الواعي لا يبحث عن السياسي الذي يجيد الكلام، وإنما عن المسؤول الذي يجيد العمل، ولا يكتفي بمن يعده بالتنمية، بل يختار من يستطيع أن يصنعها.

وفي نهاية المطاف، تبقى قاعدة واحدة واضحة: الشعارات لا تبني الأوطان، والوعود لا تصنع التنمية، وإنما العمل والإنجاز والكفاءة والنزاهة هي التي تصنع الفرق وتمنح السياسة معناها الحقيقي.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.