من باريس إلى مرسيليا… غضب الغلاء يُشعل شوارع فرنسا ومواجهات عنيفة تنتهي بالنهب
انزلقت الاحتجاجات الشعبية المنددة بارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية في فرنسا إلى منحى عنيف وغير مسبوق، حيث تحولت الشوارع الرئيسية من العاصمة باريس شمالاً إلى مدينة مرسيليا جنوباً إلى ساحات مواجهات مفتوحة ومشتعلة بين الآلاف من المحتجين الغاضبين وقوات مكافحة الشغب، وسط تسجيل أعمال تخريب واسعة ونهب للمحلات التجارية وإضرام للنيران في الممتلكات العامة والخاصة.
اندلعت الشرارة الأولى للتصعيد عقب مسيرات دعت إليها تنسيقيات عمالية وحركات اجتماعية للتنديد بموجة التضخم القياسية وغلاء أسعار الطاقة والمواد الأساسية، غير أن المظاهرات السلمية سرعان ما خرجت عن السيطرة مع دخول مجموعات ملثمة، يُعرف بعضها بـ”البلاك بلوك”، على خط المواجهة المباشرة مع الشرطة، مما حوّل الميادين الكبرى في باريس ومرسيليا وعدة مدن أخرى إلى بؤر توتر شديدة استمرت لساعات متأخرة من الليل.
وفي قلب العاصمة باريس، شهدت الجادات الكبرى حالة من الفوضى العارمة بعد إقدام محتجين على تحطيم واجهات المصارف والمتاجر الفاخرة وإقامة متاريس مشتعلة في الشوارع، فيما عاشت مدينة مرسيليا الساحلية مشاهد مماثلة من الكر والفر، تخللتها عمليات سطو ونهب طالت مراكز تجارية كبرى ومستودعات، قبل أن تتدخل وحدات الأمن المدججة بقنابل الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق الحشود وتطويق النقاط الساخنة.
وأعلنت وزارة الداخلية الفرنسية عن استنفار أمني قصوى ونشر آلاف العناصر الإضافية من الدرك وقوات الأمن الجمهوري لإعادة فرض النظام، مؤكدة توقيف المئات من المشتبه في تورطهم في أعمال الشغب والنهب والاعتداء على القوات العمومية، في وقت سجلت فيه مصالح الإسعاف إصابات متفاوتة الخطورة في صفوف الطرفين، فضلاً عن خسائر مادية جسيمة تكبدها القطاع التجاري والمرافق الحضرية.
ويضع هذا الانفجار الاجتماعي الميداني الحكومة الفرنسية أمام امتحان سياسي واقتصادي بالغ التعقيد، إذ تعكس حدة الغضب في الشارع اتساع الهوة بين القرارات الحكومية وتطلعات الطبقات المتوسطة والهشة التي باتت عاجزة عن مسايرة تكاليف الحياة اليومية، مما ينذر بدخول البلاد في نفق من الإضرابات والشلل الاقتصادي ما لم يتم طرح حزم إجراءات استعجالية لامتصاص الاحتقان وإنقاذ القدرة الشرائية للمواطنين.