رهان الغواصات في البحرية المغربية: مقاربة استراتيجية بين الإمكانات والطموحات

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

في سياق إقليمي ودولي يتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية واشتداد التنافس على الفضاءات البحرية، يواصل المغرب مراجعة عقيدته الدفاعية، واضعا الواجهة البحرية في صلب أولوياته الاستراتيجية، بالنظر إلى امتداد سواحله وتنامي رهانات الأمن البحري في غرب المتوسط والمحيط الأطلسي.
وتندرج المباحثات الجارية حول اقتناء غواصات عسكرية ضمن هذا التوجه، باعتبارها أداة ردع نوعية تعزز قدرة البحرية الملكية على مراقبة المجال البحري وحماية المصالح الاستراتيجية، خاصة في ظل تصاعد التهديدات غير التقليدية وتكاثر التوترات الإقليمية.
وتفيد تقارير متخصصة بأن الرباط تدرس عدة عروض دولية، من بينها مقترحات روسية تتعلق بغواصات “أمور”، التي تسعى موسكو إلى تسويقها كمنصة متطورة تعمل بالديزل والكهرباء، ومصممة بقدرات تخفٍّ عالية، مع إمكانية تزويدها بأنظمة دفع مستقلة عن الهواء، تتيح لها البقاء لفترات طويلة في أعماق البحر.
غير أن هذا الطرح الروسي، رغم ما يحمله من وعود تقنية، يواجه تحديات عملية تتعلق بغياب تجربة تشغيلية فعلية، إذ لم تدخل هذه الغواصات بعد الخدمة لدى أي قوة بحرية، وهو ما يضع علامات استفهام حول جاهزيتها الميدانية وقدرتها على تلبية متطلبات الاستخدام الفعلي.
وفي المقابل، تبرز بدائل أوروبية أكثر ترسخا في السوق الدولية، مثل الغواصات الفرنسية والألمانية، التي راكمت سنوات من التشغيل الناجح، وتستند إلى شراكات صناعية واضحة، ونماذج مجرّبة أثبتت فعاليتها في بيئات بحرية متعددة، فضلا عن التزامها بمعايير دقيقة في التسليم والدعم اللوجستي ونقل التكنولوجيا.
كما لا يمكن فصل هذا النقاش عن السياق السياسي الدولي، حيث تفرض العقوبات الغربية المفروضة على روسيا تحديات إضافية على صناعتها الدفاعية، خاصة في ما يتعلق بسلاسل التوريد والالتزامات طويلة الأمد، وهي عوامل حاسمة في صفقات استراتيجية معقدة من قبيل الغواصات.
ويعكس اهتمام المغرب بهذا الملف، في جوهره، سياسة دفاعية قائمة على تنويع الشركاء وتفادي الارتهان لمصدر واحد للتسلح، مع الحفاظ على هامش مناورة يسمح بالاختيار وفق منطق الموثوقية والنجاعة العملياتية، أكثر من الانبهار بالمواصفات النظرية.
وفي سوق دولية تحكمها الثقة قبل التكنولوجيا، يبدو أن القرار المغربي، أيا كان اتجاهه النهائي، سيظل محكوما بمعادلة دقيقة توازن بين الطموح الاستراتيجي والواقعية العملية، بما يخدم أمن المملكة واستقرار محيطها البحري.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.