لأول مرة منذ 1969.. إصلاح جذري يطال المنظومة القانونية المنظمة للقطاع الفلاحي
أعلنت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات عن إطلاق صفقة عمومية بقيمة 5.460.000 درهم لإنجاز دراسة استراتيجية شاملة تروم إعادة صياغة الإطار القانوني المنظم للاستثمارات الفلاحية، في خطوة تعكس توجها رسميا نحو مراجعة عميقة لمنظومة تشريعية يعود تاريخها إلى أواخر ستينيات القرن الماضي.
وتعود مدونة الاستثمارات الفلاحية إلى 25 يوليوز 1969، حين أرست آنذاك بنية قانونية متكاملة ضمت عشرات النصوص التشريعية والتنظيمية، شكلت لسنوات طويلة المرجعية الأساسية لتدبير مياه الري، وتنظيم البنيات العقارية، وتأطير أنظمة الاستغلال الزراعي، وتحفيز الاستثمار في القطاع. غير أن التحولات التي شهدها المغرب خلال العقود الأخيرة جعلت هذا الإطار في حاجة إلى مراجعة شاملة تواكب السياقات الجديدة.
فالمملكة انتقلت من مرحلة التخطيط المركزي وتسعير الموارد إلى اقتصاد أكثر انفتاحا وتحررا، مدعوما باتفاقيات تبادل حر وشراكات دولية، إضافة إلى اعتماد آليات الشراكة بين القطاعين العام والخاص في إنجاز المشاريع الكبرى. كما تعززت التزامات المغرب في مجالات البيئة والتنمية المستدامة، بالتوازي مع إطلاق أوراش اجتماعية كبرى في مقدمتها تعميم الحماية الاجتماعية.
وعلى المستوى الفلاحي، لم يعد القطاع كما كان قبل نصف قرن. فقد برز فاعلون اقتصاديون جدد، وتطورت سلاسل القيمة، وتغيرت أنماط الإنتاج، وتزايد تأثير التغيرات المناخية والضغط على الموارد المائية. كما فرض التحول الديمغرافي تحدي إدماج الشباب في الاقتصاد القروي وخلق دينامية جديدة داخل العالم الفلاحي.
وقد واكبت هذه التحولات استراتيجيات وطنية كبرى، من بينها مخطط المغرب الأخضر الذي أطلق دينامية استثمارية واسعة، ثم استراتيجية الجيل الأخضر 2020-2030 التي وضعت العنصر البشري والاستدامة والتنافسية في صلب الرؤية القطاعية.
الدراسة المرتقبة لن تقتصر على جرد النصوص القانونية التابعة لقطاع الفلاحة فقط، بل ستشمل أيضا مختلف المقتضيات المرتبطة به والصادرة عن قطاعات أخرى كالتجارة والصناعة والبيئة، بهدف تحقيق انسجام تشريعي شامل يغطي مختلف حلقات سلاسل الإنتاج والتثمين والتسويق. كما سيتم إحداث قاعدة بيانات رقمية حديثة لإعادة تصنيف النصوص وفق مقاربة تحليلية تمكن من رصد التداخلات والفراغات القانونية.
وسيمتد التشخيص إلى تقييم مدى تطبيق النصوص الحالية على أرض الواقع، وتحديد المقتضيات المتجاوزة أو غير القابلة للتنفيذ، واقتراح تعديلات أو إلغاءات عند الاقتضاء، إلى جانب استشراف مجالات تشريعية جديدة تستجيب للتحولات الراهنة.
ومن بين الملفات التي ستخضع لتحليل معمق: حكامة مشاريع الري العمومي، إشكالية تجزيء العقار الفلاحي، تحفيزات تثمين المنتجات وتسويقها، حكامة صندوق التنمية الفلاحية، الجوانب الجبائية المرتبطة بالاستثمار، إضافة إلى اعتماد مقاربة ترابية تراعي خصوصيات المناطق البورية والجبلية والواحات والمناطق المسقية.
كما يرتقب أن يستحضر الإصلاح المرتقب رهانات السيادة الغذائية، وتحسين دخل الفلاحين، وتقاسم القيمة المضافة بشكل أكثر عدلا، إلى جانب تدبير المخاطر المناخية، ودعم إدماج الشباب، وتعزيز التحول الرقمي في الفلاحة الدقيقة، والانخراط في الانتقالين المائي والطاقي.
وترى الوزارة أن نتائج هذه الدراسة ستشكل أساسا لخارطة طريق تشريعية تمتد لسنوات طويلة، وتؤسس لإطار قانوني مرن ومتجدد، قادر على حماية الموارد الطبيعية وتعزيز تنافسية الفلاحة المغربية داخليا وخارجيا، في سياق عالمي يتسم بتسارع التغيرات واحتدام المنافسة على الأسواق والموارد.