الحكامة الترابية بالمغرب بين التكنوقراطية ومنطق الثقة: قراءة سوسيولوجية في آليات تعيين الولاة والعمال

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

تطرح مسارات تعيين كبار مسؤولي الإدارة الترابية بالمغرب إشكالاً مركباً يتجاوز الإطار القانوني الصرف، ليكشف عن تداخل عميق بين الاعتبارات المؤسساتية والسوسيولوجية في إنتاج النخب الإدارية. وفي هذا السياق، تقدم دراسة حديثة للباحث زكرياء أقنوش، أستاذ الأنثروبولوجيا السياسية بجامعة مولاي إسماعيل، قراءة تحليلية تُبرز أن منطق التعيين لا يُفهم فقط من خلال معيار الكفاءة التقنية، بل ضمن هندسة دقيقة لتوازنات الدولة بين التنمية والاستقرار.
وتشير الدراسة إلى أن الدولة المغربية تتجه بشكل متزايد نحو تعزيز الحضور التكنوقراطي داخل الإدارة الترابية، من خلال استقطاب كفاءات متخصصة في مجالات الهندسة والتدبير العمومي، بما ينسجم مع متطلبات المشاريع التنموية الكبرى. غير أن هذا التحول لا يعني إقصاء البعد السياسي، بقدر ما يعكس إعادة توزيع للأدوار بين المنتخبين المحليين والإدارة الترابية، حيث تميل الكفة تدريجياً نحو تقوية موقع الإدارة في قيادة وتنسيق السياسات العمومية الترابية.
وفي المقابل، تؤكد الدراسة أن الكفاءة التقنية تظل شرطاً ضرورياً لكنه غير كافٍ لتولي المناصب العليا، إذ تظل اعتبارات الثقة المؤسساتية والاستقرار الاجتماعي محدداً مركزياً في عملية الاختيار. فالدولة، بحسب هذا التصور، لا تبحث فقط عن الكفاءة، بل عن فاعلين إداريين قادرين على تدبير التوازنات المحلية المعقدة، واحتواء التوترات المحتملة، وضمان استمرارية السياسات العمومية دون اضطراب.
كما تكشف الدراسة أن مسارات الترقية نحو مناصب الولاة والعمال لا تخضع لمنطق خطي أو تقني محض، بل تتأثر بشكل واضح بشبكات الثقة المؤسسية، وبالرصيد التراكمي من الخبرة الإدارية، وهو ما يعكس طبيعة انتقائية دقيقة تهدف إلى إعادة إنتاج نموذج إداري منسجم مع توجهات الدولة المركزية.
وتبرز الدراسة أيضاً أهمية مرحلة “الفحص الاستعلاماتي” باعتبارها آلية حاسمة في مسار التعيين، حيث يتم تقييم ليس فقط الجوانب المهنية، بل أيضاً السلوك الشخصي، ومدى الموثوقية، والقدرة على التعامل مع الملفات الحساسة. وفي هذا الإطار، تصبح الثقة معياراً موازياً، وأحياناً متقدماً، على الكفاءة التقنية في تحديد أهلية المسؤولين الجدد.
وخلاصة القول، تكشف هذه القراءة السوسيولوجية أن الحكامة الترابية بالمغرب تقوم على معادلة دقيقة تجمع بين التكنوقراطية كأداة للتحديث، ومنطق الثقة كضمانة للاستقرار، في إطار هندسة مؤسساتية تسعى إلى تحقيق التوازن بين فعالية التنمية وحماية النسق السياسي والاجتماعي للدولة.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.