البرنامج الحكومي 2026-2031 أمام امتحان المصداقية.. هل تصمد الوعود أمام حسابات الواقع؟
لا تُقاس قوة البرامج الحكومية بعدد الأهداف التي تتضمنها، ولا بحجم الوعود التي تقدمها للمواطنين، وإنما بمدى قدرتها على تحويل تلك الالتزامات إلى نتائج ملموسة، ضمن آجال محددة وبتمويل واضح ومؤشرات دقيقة تسمح بتقييم الحصيلة ومساءلة المسؤولين عن التنفيذ. ومن هذا المنطلق، تطرح الملاحظات التي أوردها المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة بشأن البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031 أسئلة جوهرية حول قابلية عدد من الأهداف المعلنة للتحقق، ومدى الانسجام بين الطموحات السياسية والإمكانات الاقتصادية والمالية المتاحة.
فالتقرير الاستراتيجي المعنون بـ«البرنامج الحكومي 2026-2031: من تعاقد الأولويات إلى اختبار التنفيذ» اطلعت الملاحظ جورنال على مضمونه ، يرصد مجموعة من التحديات التي تتجاوز مجرد اختلاف التقديرات، لتلامس جوهر التخطيط الحكومي، خصوصا في ما يتعلق بتحديد الأولويات، وضبط كلفة الالتزامات، وتوفير الموارد الضرورية لإنجاز المشاريع، ووضع آليات واضحة لقياس النتائج.
ومن أبرز المؤشرات التي توقف عندها التقرير أن البرنامج الحكومي يتضمن 74 هدفا كميا، لكن 20 هدفا فقط تتوفر على خطوط أساس محددة داخل الوثيقة، بينما يفتقر 40 هدفا إلى أجل صريح أو دورية سنوية للإنجاز. وهي معطيات تثير إشكالا حقيقيا بشأن إمكانية تتبع الالتزامات الحكومية بصورة منتظمة، وتحديد ما تحقق منها في كل مرحلة، وما تعثر أو تأخر، والأسباب التي حالت دون بلوغه.
إن غياب المؤشرات المرجعية والآجال الدقيقة لا يجعل التنفيذ مستحيلا بالضرورة، لكنه يضعف قدرة الرأي العام على التحقق من التقدم المحرز، ويجعل تقييم الحصيلة أكثر صعوبة. فالمواطن الذي ينتظر تحسنا في الخدمات العمومية أو فرص الشغل أو القدرة الشرائية يحتاج إلى التزامات محددة يمكن قياسها ومقارنتها بالنتائج الفعلية، وليس إلى أهداف عامة يصعب تحديد مستوى التقدم فيها.
وتتضح هذه الإشكالية أكثر عند الانتقال إلى ملف الماء والطاقة، حيث يراهن المغرب على توسيع قدراته في تحلية مياه البحر وتعزيز الأمن المائي، في وقت تتزايد فيه احتياجات الاقتصاد الوطني إلى الكهرباء. ووفق تقديرات المركز، فإن إنتاج أكثر من 1.8 مليار متر مكعب من المياه المحلاة سنويا بحلول سنة 2031 قد يتطلب ما بين 5.4 و9 تيراواط ساعة من الكهرباء كل سنة، أي ما يعادل 11 إلى 18 في المائة من الطلب الوطني على الكهرباء المسجل سنة 2025.
ويضع هذا المعطى صناع القرار أمام ضرورة اعتماد تخطيط متكامل يربط الاستثمار في الماء بتوفير الطاقة اللازمة لتشغيل المنشآت، خصوصا أن المغرب يتجه أيضا إلى تطوير قطاعات استراتيجية تشمل الذكاء الاصطناعي والهيدروجين والصناعة الخضراء. وهذه المجالات، رغم ما تتيحه من فرص اقتصادية وتكنولوجية، تفرض بدورها حاجيات إضافية من الطاقة والكفاءات والتمويل.
ويشير التقرير إلى أن البرنامج الحكومي يتحدث عن الالتقائية بين القطاعات، دون أن يوضح بصورة كافية كيف ستتم المفاضلة بين المشاريع عندما تتنافس على الموارد نفسها، أو كيف ستُرتب الأولويات في حال تعارض الاحتياجات أو محدودية الإمكانات. كما يثير غياب ميزان موحد للاحتياجات المستقبلية من الماء والكهرباء والكفاءات تساؤلات بشأن مدى قدرة التخطيط العمومي على استيعاب جميع الالتزامات في إطار زمني ومالي متماسك.
ولا يتعلق الأمر بالتقليل من أهمية المشاريع الاستراتيجية، بل بضرورة الانتقال من الإعلان عن الاستثمارات والمنشآت إلى قياس ما تنتجه فعليا، ومدى استفادة الاقتصاد الوطني والمواطنين منها. فالسيادة المائية والطاقية لا تتحقق بمجرد بناء المنشآت، وإنما بقدرتها على توفير الموارد بصورة مستدامة وبتكلفة مناسبة، مع ضمان توزيعها وفق الحاجيات والأولويات.
أما في مجال التشغيل، فيواجه البرنامج الحكومي اختبارا أكثر حساسية، بالنظر إلى تعهده بإحداث نحو مليون منصب شغل خلال الولاية الحكومية، وخفض معدل البطالة إلى 7 في المائة بحلول سنة 2031، إلى جانب رفع معدل نشاط النساء إلى 21.2 في المائة، وتقليص عدد الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل بنسبة لا تقل عن 50 في المائة.
وتكشف الأرقام التي أوردها المركز عن ضرورة التدقيق في طبيعة المناصب المحتسبة ضمن هذا الهدف. فمن أصل مليون منصب شغل مستهدف، لا يوصف بالصافي سوى 250 ألف منصب في الصناعة، بينما يرتبط 360 ألف منصب بتنظيم كأس العالم 2030 وما يصاحبه من أوراش واستثمارات وأنشطة اقتصادية.
وبحسب حسابات المركز، فإن بلوغ الهدف المعلن يقتضي إحداث نحو 200 ألف منصب، في وقت لم يتجاوز فيه متوسط صافي مناصب الشغل المحدثة 23.5 ألف منصب خلال الفترة الممتدة من 2022 إلى 2025. وتبرز هذه المقارنة حجم المجهود المطلوب، وتطرح ضرورة توضيح الكيفية التي ستُمكّن من الانتقال إلى وتيرة أعلى بكثير من حيث خلق فرص العمل.
وتزداد أهمية هذا النقاش عندما يتعلق الأمر بالتمييز بين فرص الشغل الدائمة والمناصب المؤقتة، وبين التشغيل الفعلي والاستفادة من برامج التكوين والتدريب والتجارب المهنية. فاحتساب المستفيدين من المبادرات العمومية لا يكفي وحده للحكم على نجاح السياسة التشغيلية، ما لم يقترن بقياس عدد الأشخاص الذين تمكنوا فعليا من الاندماج في سوق العمل، واستمرارهم فيه، وجودة الأجور وظروف العمل التي يستفيدون منها.
وفي قطاع ترحيل الخدمات، يثير استهداف إحداث 270 ألف منصب شغل تساؤلات إضافية بشأن التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على طبيعة الأنشطة والوظائف. ويشير التقرير إلى أن برنامجا للبنك الدولي يستهدف إحداث 30 ألف منصب شغل صاف في القطاع نفسه خلال الأفق الزمني ذاته، وهو ما يستدعي توضيح الفرضيات التي تستند إليها التقديرات الحكومية، مع مراعاة تطور الطلب العالمي على الخدمات الرقمية والتحولات التكنولوجية المتسارعة.
ولا يمكن فصل هذه الرهانات الاقتصادية عن الوضعية المالية للدولة، خاصة في ظل الالتزامات الاجتماعية التي يتضمنها البرنامج. فقد نبه المركز إلى احتمال تعرض الميزانية لضغوط إذا تزامن ارتفاع الحاجة إلى تمويل الدعم الاجتماعي مع تراجع المداخيل نتيجة صدمات خارجية، وهو احتمال يفرض إعداد سيناريوهات مالية قادرة على ضمان استمرارية البرامج الاجتماعية حتى في الظروف الاقتصادية الصعبة.
وفي هذا السياق، يبرز التباين بين استهداف الحكومة تحقيق متوسط نمو اقتصادي بنسبة 5 في المائة خلال الفترة 2027-2031، وتوقعات بنك المغرب التي رجحت تسجيل نمو بنسبة 2.9 في المائة سنة 2027. ويرى التقرير أن تحقيق الهدف الحكومي يستلزم تسارعا في النمو خلال السنوات اللاحقة، بالتوازي مع تمويل الالتزامات الاجتماعية والمحافظة على التوازنات المالية.
وتزداد حساسية هذه المعادلة مع تعهد الحكومة برفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم، ورفع الحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم، فضلا عن الالتزامات المتعلقة بالصحة والتعليم والسكن. وهي أهداف تكتسي أهمية اجتماعية واضحة، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالأوضاع المعيشية للأسر وانتظارات المواطنين في تحسين الخدمات الأساسية وتعزيز الحماية الاجتماعية.
غير أن التقرير يسجل غياب كلفة إجمالية للبرنامج الحكومي، وعدم تقديم جدول شامل يحدد مصادر تمويل مختلف الالتزامات، بما يسمح بتقييم انعكاساتها على المالية العمومية ومدى استدامتها. ويظل تحديد هذه العناصر ضروريا للتمييز بين الالتزامات الممكنة ضمن الموارد المتاحة، وتلك التي قد تتطلب تعبئة مالية إضافية أو إعادة ترتيب للأولويات.
إن جوهر النقاش الذي يثيره هذا التقرير لا يكمن في التشكيك المسبق في الأهداف الحكومية، بل في ضرورة إخضاعها لمنطق التخطيط الدقيق والشفافية والمحاسبة.
فالمغاربة لا ينتظرون مجرد أرقام كبيرة في الوثائق الرسمية، وإنما يريدون فرص شغل حقيقية، وخدمات صحية وتعليمية أفضل، ومياها وطاقة متاحة، ودعما اجتماعيا مستداما، وسياسات عمومية تنعكس نتائجها على حياتهم اليومية.
ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى ربط كل هدف حكومي بأجل محدد، ومؤشر قابل للقياس، وكلفة معلومة، ومصدر تمويل واضح، مع نشر حصيلة دورية تتيح الوقوف على ما تحقق وما تعثر، وتحديد المسؤوليات عن التأخر أو الإخفاق. كما يتطلب الأمر آلية عملية للتحكيم بين الأولويات القطاعية، حتى لا تتحول المنافسة على الموارد المحدودة إلى عائق أمام تنفيذ المشاريع.
فالبرنامج الحكومي 2026-2031 لن يُحسم نجاحه بحجم الوعود التي يتضمنها، بل بقدرته على اجتياز اختبار التنفيذ. وبين الطموح المعلن والنتائج المنتظرة، تبقى المصداقية رهينة بالشفافية في تحديد الإمكانات، والوضوح في ترتيب الأولويات، والجدية في تحويل الالتزامات إلى منجزات قابلة للقياس والمحاسبة، بما يجعل المواطن المستفيد الأول من السياسات العمومية، لا مجرد متلقٍّ لوعود تنتظر موعد التحقق.