المغرب أمام معادلة جديدة.. كيف فقدت مصانع “الكابلاج” بريقها في أعين الشباب؟

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

لطالما اعتُبر قطاع صناعة أسلاك السيارات، أو ما يعرف بـ”الكابلاج”، أحد أبرز قصص النجاح الصناعي في المغرب، بعدما نجح في استقطاب استثمارات عالمية ضخمة، وخلق آلاف مناصب الشغل، وتحويل المملكة إلى منصة إقليمية لصناعة مكونات السيارات الموجهة نحو التصدير. غير أن هذا النمو المتواصل يصطدم اليوم بتحدٍّ جديد يتمثل في تراجع إقبال الشباب على العمل داخل هذه المصانع، في مؤشر يفرض إعادة قراءة واقع سوق الشغل والتحولات الاجتماعية التي يشهدها المغرب.
ففي السابق، كانت فرص العمل داخل مصانع “الكابلاج” تمثل بوابة حقيقية للاندماج المهني بالنسبة لآلاف الشباب، خاصة حاملي الشهادات المتوسطة أو من لا يتوفرون على تكوين عالٍ. أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة، إذ لم تعد الأجور الحالية كافية لمواجهة الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة، بينما ازدادت تطلعات الشباب نحو وظائف توفر دخلاً أفضل، واستقراراً مهنياً، وظروف عمل أكثر ملاءمة.
ولا يتعلق الأمر بالأجر فقط، بل أيضاً بطبيعة العمل نفسها، التي تعتمد على وتيرة إنتاج سريعة، وساعات عمل طويلة، ونظام المناوبات، فضلاً عن المهام المتكررة التي تتطلب تركيزاً وجهداً بدنياً مستمرين. هذه العوامل دفعت كثيراً من الشباب إلى البحث عن بدائل أخرى، سواء في قطاع الخدمات، أو التجارة الإلكترونية، أو العمل الحر، أو حتى الهجرة نحو أسواق عمل أجنبية.
وفي المقابل، تجد الشركات الصناعية نفسها أمام تحدٍّ حقيقي للحفاظ على تنافسيتها. فالميزة التي كانت تقوم على وفرة اليد العاملة منخفضة التكلفة بدأت تتآكل تدريجياً مع تغير انتظارات العمال، وارتفاع مستوى الوعي بأهمية جودة العمل والحقوق الاجتماعية وفرص التطور المهني.
ويرى متابعون للشأن الاقتصادي أن مستقبل القطاع لن يُبنى فقط على جذب الاستثمارات الأجنبية، وإنما أيضاً على الاستثمار في العنصر البشري، عبر تحسين الأجور، وتطوير بيئة العمل، وتوفير برامج للتكوين والترقية المهنية، بما يجعل الوظيفة الصناعية خياراً جاذباً وليس مجرد محطة مؤقتة.
إن استمرار المغرب في تصدره لصناعة السيارات بإفريقيا يتطلب نموذجاً جديداً للتشغيل، يوازن بين تنافسية المقاولة وكرامة العامل، لأن الاقتصاد الحديث لم يعد يقاس فقط بحجم الاستثمارات، بل أيضاً بقدرته على توفير وظائف لائقة تواكب تطلعات الأجيال الجديدة، وتضمن استدامة التنمية الصناعية على المدى الطويل.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.