فاس تختنق بالفوضى… هل آن أوان الحسم في ملف احتلال الملك العمومي؟
تعرف مدينة فاس، خلال الأشهر الأخيرة، تصاعدًا ملحوظًا في أصوات الساكنة المطالِبة بتدخل حازم يعيد الاعتبار للنظام العام، في ظل تنامي مظاهر احتلال الملك العمومي وتحوّل عدد من الأحياء إلى فضاءات مفتوحة للفوضى، حيث غابت الحدود بين الحق العام والاستغلال غير المشروع.
عدد من الشوارع والأرصفة، خصوصًا داخل الأحياء السكنية، أضحت شبه مغلقة بسبب انتشار الباعة الجائلين و”الفراشة”، الأمر الذي لم يعد يقتصر على عرقلة السير، بل تجاوز ذلك إلى محاصرة مرافق حيوية، من بينها مساجد وممرات الطوارئ، ما خلق وضعًا مقلقًا في حالات الاستعجال، حين تجد سيارات الإسعاف والوقاية المدنية صعوبة حقيقية في الوصول إلى وجهاتها.
وتشير فعاليات محلية إلى أن المدينة عرفت في مرحلة سابقة انفراجًا ملموسًا في هذا الملف، بعد حملات ميدانية أعادت تنظيم عدد من النقاط السوداء، غير أن هذا التحسن لم يصمد طويلًا، إذ سرعان ما عادت الممارسات نفسها، في مشهد يوحي بغياب الاستمرارية وضعف التتبع، ما أعاد الوضع إلى ما كان عليه، وربما أسوأ.
ويربط متابعون هذا التراجع بخلل واضح في آليات المراقبة اليومية، وبما يعتبرونه تراخيًا من بعض الجهات المكلفة بتطبيق القانون، حيث تُرفع تقارير توحي بالتحكم في الوضع، بينما يعكس الواقع الميداني صورة مغايرة تمامًا، تكرّس الإحساس بعدم الإنصاف وتغذي فقدان الثقة في التدبير المحلي.
وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى والي جهة فاس–مكناس، خالد آيت طالب، من أجل إرساء مقاربة صارمة ومتوازنة، تقوم على الحضور الميداني الدائم، وتفعيل آليات المحاسبة، وعدم التساهل مع مظاهر الاحتلال العشوائي، مع إعادة ضبط عمل المصالح المختصة وتوحيد الرؤية بين مختلف المتدخلين.
وتؤكد فعاليات مدنية أن معالجة هذا الملف لا ينبغي أن تنحصر في المقاربة الأمنية فقط، بل تستدعي حلولًا اقتصادية واجتماعية موازية، تتيح بدائل حقيقية للباعة، عبر أسواق مهيكلة، ومشاريع مدرة للدخل، ومسارات إدماج تحفظ الكرامة وتحترم القانون، بعيدًا عن منطق فرض الأمر الواقع.
كما يحذر متتبعون من أن استمرار هذا الوضع ينذر بتعميق الاحتقان الاجتماعي، ويفتح الباب أمام محاولات تبرير الفوضى تحت شعارات اجتماعية، في ظل غموض يلف مواقف بعض المتدخلين، وهو ما قد يمس بشكل مباشر بهيبة الدولة وأمن المدينة.
فاس، بتاريخها العريق ومكانتها الرمزية والاقتصادية، في حاجة اليوم إلى قرار واضح وشجاع يعيد لها توازنها الحضري، ويصون حق ساكنتها في فضاء منظم وآمن. فاسترجاع الملك العمومي ليس ترفًا إداريًا، بل خيارًا استراتيجيًا لبناء مدينة تحترم نفسها… ومدينة بحجم فاس لا يليق بها إلا ذلك.