فحص الطبيب بـ150 درهماً.. مطلب شعبي يستدعي تدخلاً حكومياً لحماية صحة المواطنين من غلاء العلاج
أصبح ارتفاع تكاليف العلاج بالمغرب يفرض نفسه بقوة ضمن الانشغالات اليومية للمواطنين، في ظل تزايد المصاريف المعيشية وتنامي الصعوبات التي تواجهها أسر كثيرة في تأمين احتياجاتها الأساسية، الأمر الذي يجعل إعادة النظر في كلفة الفحوصات الطبية لدى الأطباء الخواص مطلباً اجتماعياً يستحق اهتماماً حكومياً عاجلاً.
وفي هذا السياق، تبرز مطالب بتحديد سقف لتسعيرة الفحص الطبي في حدود 150 درهماً، باعتباره مقترحاً يهدف إلى تخفيف العبء المالي عن المواطنين، وضمان استفادة أوسع من الخدمات الصحية، خصوصاً لفائدة الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط التي تجد نفسها مضطرة إلى تأجيل زيارة الطبيب أو الاستغناء عنها أحياناً بسبب ارتفاع التكاليف.
إن الحق في الصحة ليس امتيازاً اجتماعياً، بل حق أساسي ينبغي أن تضمن السياسات العمومية شروط ممارسته الفعلية. ولا يمكن الحديث عن العدالة الاجتماعية بمعزل عن قدرة المواطن على زيارة الطبيب والحصول على التشخيص المناسب دون أن تتحول كلفة الاستشارة الطبية إلى حاجز أمام العلاج، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأطفال وكبار السن والأشخاص الذين يحتاجون إلى متابعة صحية مستمرة.
ومن هذا المنطلق، فإن الحكومة مطالبة بالتفاعل الجدي مع هذه المطالب، وفتح نقاش مسؤول مع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية والهيئات المهنية المعنية، من أجل دراسة إمكانية اعتماد سقف مرجعي أو آلية تنظيمية عادلة لتسعيرة الفحوصات الطبية، مع مراعاة خصوصيات التخصصات الطبية والظروف المهنية للأطباء، دون جعل الاعتبارات الاقتصادية سبباً في إقصاء المواطنين من حقهم في العلاج.
إن تحديد تسعيرة معقولة للفحص الطبي، في حدود 150 درهماً وفق المقترح المتداول، من شأنه أن يشكل خطوة إيجابية إذا استند إلى دراسة واقعية للكلفة وإلى إطار قانوني واضح يضمن حماية المريض ويصون جودة الخدمات الصحية. والمطلوب هنا ليس تحميل الأطباء وحدهم مسؤولية ارتفاع نفقات العلاج، وإنما وضع سياسة عمومية متكاملة تجعل صحة المواطن في صلب الأولويات، وتحقق التوازن بين حقوق المرضى والحقوق المهنية لمقدمي الخدمات الصحية.
كما يتعين على الحكومة العمل على تعزيز الشفافية في الإعلان عن أسعار الاستشارات والفحوصات، وتفعيل آليات استقبال شكاوى المواطنين، وتوسيع الاستفادة الفعلية من التغطية الصحية، بما يقلص النفقات التي يتحملها المرضى من جيوبهم. فالمواطن لا يحتاج إلى وعود عامة بقدر ما يحتاج إلى إجراءات ملموسة يشعر بأثرها في حياته اليومية.
ولا ينبغي أن يظل هذا المطلب مجرد نقاش عابر على منصات التواصل الاجتماعي أو موضوعاً يتجدد كلما ارتفعت تكاليف المعيشة، بل يستحق أن يتحول إلى ملف للنقاش العمومي والمؤسساتي، تشارك فيه الحكومة والبرلمان والهيئات الطبية وممثلو المستهلكين، بهدف الوصول إلى حلول عملية قابلة للتنفيذ والتقييم.
إن حماية القدرة الشرائية للمواطن لا تقتصر على أسعار المواد الغذائية والمحروقات والنقل، بل تشمل أيضاً تكاليف العلاج التي ترتبط مباشرة بكرامة الإنسان وسلامته الجسدية. ولذلك، فإن التدخل الحكومي لضبط كلفة الخدمات الطبية، وفق صيغة منصفة وقابلة للتطبيق، ينبغي أن يكون جزءاً من ورش أوسع يرمي إلى جعل العلاج في متناول الجميع.
وفي انتظار أي قرار رسمي في هذا الشأن، يبقى تحديد سقف للفحص الطبي في حدود 150 درهماً مطلباً اجتماعياً مقترحاً، وليس تعريفة موحدة معلنة دخلت حيز التنفيذ. ومن هنا، فإن المسؤولية تقتضي من الحكومة دراسة هذا المقترح بجدية، والاستماع إلى انشغالات المواطنين، واتخاذ ما يلزم من تدابير لحماية حقهم في العلاج وصون كرامتهم.
فصحة المغاربة ليست مجالاً للتأجيل، والعدالة الاجتماعية لا تكتمل ما دام مواطن يضطر إلى الاختيار بين مصاريف معيشته الضرورية وزيارة الطبيب. والمطلوب اليوم هو إرادة حكومية واضحة تترجم الحق في الصحة إلى إجراءات ملموسة، تجعل العلاج أقرب إلى المواطن وأقل كلفة على أسرته.