الأراضي السلالية بين صرامة القانون وتواطؤ الواقع: نصوص واضحة وانتهاكات مقلقة
تُعدّ الأراضي السلالية من أكثر القضايا العقارية حساسية في المغرب، لما تحمله من أبعاد تاريخية واجتماعية وقانونية، ولما تحظى به من حماية تشريعية صريحة تمنع تفويتها أو التصرف فيها خارج الإطار الذي حدده المشرّع. غير أن هذه الحماية، ورغم وضوحها، ما تزال تُنتهك في بعض المناطق تحت ضغط النفوذ وتواطؤ بعض المتدخلين.
من الناحية القانونية، فإن الإطار التشريعي المنظم للأراضي السلالية لا يترك مجالًا للتأويل. فقد نص ظهير 27 أبريل 1919 المنظم للوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها، بشكل واضح، على أن هذه الأراضي جماعية وغير قابلة للبيع أو التفويت أو الحجز، ولا يمكن تملكها عن طريق الحيازة أو التقادم، باعتبارها مملوكة للجماعة السلالية ككل وليس للأفراد.
وجاءت القوانين الجديدة لتعزز هذا المبدأ وتغلق الأبواب أمام كل أشكال الالتفاف. إذ أكّد القانون رقم 62.17 المتعلق بالوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها، أن:
الأراضي السلالية غير قابلة للتفويت أو الرهن أو الحجز؛
لا يمكن التصرف فيها إلا وفق مساطر قانونية دقيقة وتحت مراقبة سلطة الوصاية؛
النواب السلاليين يمارسون مهامهم في حدود الاختصاص المخول لهم قانونًا، ولا يملكون حق بيع أو تفويت العقار الجماعي.
كما نص القانون رقم 63.17 المتعلق بالتحديد الإداري لأراضي الجماعات السلالية على حماية هذه الأملاك من الترامي، عبر إخضاعها لمسطرة التحديد والتحفيظ، قصد ضبط حدودها القانونية ومنع أي استيلاء غير مشروع عليها.
أما القانون رقم 64.17 المتعلق بالأراضي السلالية الواقعة في دوائر الري، فقد حصر إمكانيات الاستغلال في إطار الانتفاع أو الكراء المنظم، دون أن يفتح أي باب للتملك أو التفويت النهائي.
ورغم هذا الوضوح التشريعي، تطفو على السطح قضايا مثيرة للقلق، من بينها اتهامات موجهة لشركة عقارية معروفة بالاستيلاء على جزء مهم من عقار سلالي، في ظروف يكتنفها الغموض. نصف العقار، حسب معطيات متداولة، جرى الترامي عليه خارج أي مسطرة قانونية، وبمباركة أطراف يُفترض فيها حماية الشرعية لا تقويضها.
الأخطر في هذه الملفات هو الحديث عن دور ما يُسمّى بـ“نواب غير شرعيين”، يُشتبه في تورطهم في تمرير صفقات أو توقيعات لا سند قانوني لها، في خرق مباشر لمقتضيات القوانين سالفة الذكر، وضرب صارخ لحقوق الجماعات السلالية التي لا تسقط بالتقادم ولا تُمحى بمحاضر مشبوهة.
إن هذه الانتهاكات لا تمس فقط ملكية عقارية، بل تضرب في العمق مبدأ سيادة القانون، وتطرح علامات استفهام كبيرة حول فعالية الرقابة، ودور السلطات الوصية، ومسؤولية المؤسسات المعنية في حماية الأراضي السلالية من منطق الريع والاغتناء غير المشروع.
وأمام هذا الوضع، تبرز ضرورة التعجيل بتفعيل القوانين القائمة، وفتح تحقيقات شفافة في كل حالات الترامي أو التفويت غير المشروع، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حمايةً لحقوق الجماعات السلالية وصونًا لهيبة القانون.
فالأراضي السلالية، بنص الدستور والقانون، ليست سلعة قابلة للمضاربة، بل رصيد جماعي محمي، والدفاع عنها اليوم هو دفاع عن العدالة المجالية وعن دولة القانون في مواجهة الفساد.