مدريد تُعيد ترتيب أوراق الصحراء المغربية : الحكم الذاتي من المبادرة إلى منطق التنفيذ
لم يعد لقاء مدريد الأخير حول ملف الصحراء المغربية مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل تحوّل، وفق قراءة الناشط الصحراوي والقيادي السابق في جبهة البوليساريو مصطفى سلمى، إلى لحظة فاصلة أعادت رسم ملامح النقاش الدولي حول النزاع، من حيث الشكل والمضمون معًا.
ويرى سلمى أن ما ميّز هذه الجولة هو الانتقال العملي لمقترح الحكم الذاتي من مستوى الطرح السياسي النظري إلى مرحلة البحث الجدي في سبل وآليات التنفيذ، خاصة بعد أن أضحى الخيار الوحيد المتداول أمميًا في ضوء القرار رقم 2797. هذا التحول، يضيف المتحدث، يعكس واقعًا جديدًا دخل فيه المغرب المفاوضات من موقع قوة غير مسبوق، مستندًا إلى تحولات سياسية ودبلوماسية عميقة برزت ملامحها بوضوح بعد 31 أكتوبر 2025.
وبحسب سلمى، لم يعد الوفد المغربي معنياً فقط بالدفاع عن مشروعية مبادرته، بل انتقل إلى مربع أكثر تقدمًا، يتمثل في مناقشة شروط تنزيل الحكم الذاتي وضمان تحصينه من أي محاولات للتفريغ أو الالتفاف. وهو ما يعكس، في تقديره، وضوحًا في الرؤية وثقة متزايدة في المسار الذي اختارته الرباط منذ سنوات.
في المقابل، اعتبر سلمى أن حضور الأطراف الأخرى إلى طاولة مدريد لم يكن نتيجة قناعة حقيقية بضرورة طي النزاع، بقدر ما كان استجابة لضغوط مباشرة، خاصة من طرف الإدارة الأمريكية. ويُفسّر ذلك، حسب رأيه، غياب أي إشارات علنية قوية، من قبيل بيان ختامي مشترك أو صورة جماعية، يمكن أن تُفهم كقبول صريح بخيار الحكم الذاتي.
وأشار في هذا السياق إلى أن بعض هذه الأطراف تحاول إعادة تسويق الفكرة نفسها تحت مسميات بديلة مثل “اتفاق إطار”، في مسعى لتخفيف كلفة التراجع داخليًا، دون القطيعة الشكلية مع مواقفها السابقة. وهو ما قد يتم، وفق تعبيره، عبر إفراغ مشروع الحكم الذاتي من جوهره، أو تعطيل مساره التنفيذي، أو السعي إلى تحسين شروطه بما يخدم مصالحها.
أما على مستوى الأداء المغربي، فأكد مصطفى سلمى أن الرباط اختارت نهج الحذر السياسي، من خلال تقديم ورقة محيّنة ركزت أساسًا على الجوانب الإجرائية والتنظيمية، مع الإبقاء على القضايا الجوهرية مفتوحة للنقاش في الجولات المقبلة. هذا الأسلوب، في نظره، يعكس نضجًا تفاوضيًا وخبرة تراكمت لدى المغرب عبر سنوات طويلة من تدبير واحد من أعقد الملفات الإقليمية.
ويخلص سلمى إلى أن المغرب خرج رابحًا من جولة مدريد، ليس فقط لأنها أعادت الزخم لمسلسل التسوية، بل لأنها كرّست الحكم الذاتي كمرجعية عملية يصعب التراجع عنها. غير أن التحدي الحقيقي، يضيف، سيظهر في المحطات القادمة، حين يُطرح سؤال الكلفة السياسية بوضوح: ماذا سيقدّم كل طرف، وماذا سيجني، في سياق دولي لم يعد يتسع للمناورات ولا لأوهام الحلول المؤقتة.