16 مليون صوت صامت.. رسالة سياسية تتجاوز الأرقام وتكشف عمق أزمة المشاركة
في وقت تتجه فيه الأنظار إلى تعزيز الديمقراطية التمثيلية وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية، يكشف معطى صادم أن نحو 16 مليون مغربي يظلون خارج دائرة التصويت، إما بسبب العزوف أو فقدان الثقة أو العوائق المرتبطة بالتسجيل والمشاركة. رقم لا يمكن اعتباره مجرد إحصائية عابرة، بل مؤشرًا عميقًا على أزمة بنيوية تمس العلاقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة.
هذا الرقم الثقيل يطرح أسئلة جوهرية حول جدوى العملية الانتخابية برمتها، وحول مدى قدرة الفاعلين السياسيين على استعادة ثقة شريحة واسعة من المواطنين الذين اختاروا، لسبب أو لآخر، الانسحاب الصامت من صناديق الاقتراع. فالمشاركة السياسية، التي تعد أحد أعمدة الديمقراطية، تبدو اليوم أمام اختبار حقيقي يهدد مشروع التمثيلية نفسه.
ويرى متتبعون أن أسباب هذا العزوف لا ترتبط بعامل واحد، بل هي نتيجة تراكمات طويلة، تشمل ضعف التواصل السياسي، وتراجع منسوب الثقة في الأحزاب، وغياب أثر ملموس للسياسات العمومية على حياة المواطنين اليومية، إضافة إلى شعور متنامٍ بأن الصوت الانتخابي لا يغير بشكل فعلي موازين القرار.
في المقابل، تعتبر فئة من الفاعلين أن المسؤولية مشتركة، إذ لا يمكن تحميل المؤسسات وحدها عبء هذا العزوف، في ظل الحاجة إلى تجديد الثقافة السياسية لدى الناخبين، وإعادة بناء جسور الثقة عبر سياسات أكثر شفافية ونجاعة وقربًا من انشغالات المواطنين.
الأخطر في هذا المعطى، بحسب خبراء في العلوم السياسية، ليس فقط حجم العزوف، بل استمراريته وتزايده مع كل استحقاق انتخابي، ما قد يؤدي إلى توسيع الفجوة بين المجتمع ومؤسساته المنتخبة، ويضعف منسوب الشرعية التمثيلية للهيئات السياسية.
أمام هذا الوضع، تبدو الحاجة ملحة إلى مقاربة جديدة تعيد الاعتبار للفعل السياسي، وتفتح نقاشًا وطنيًا حقيقيًا حول إصلاح المنظومة الانتخابية، وتحفيز المشاركة، وإعادة بناء الثقة المفقودة بين المواطن وصندوق الاقتراع.
إن 16 مليون صوت صامت ليست مجرد أرقام، بل رسالة سياسية قوية تحتاج إلى قراءة عميقة، وإرادة إصلاحية تتجاوز الحلول الظرفية نحو معالجة جذور الأزمة.