ارتفاع الغازوال إلى أكثر من 17 درهماً يعيد ملف المحروقات إلى الواجهة ويضع الحكومة أمام مطالب الإصلاح
أعاد الارتفاع المتواصل لأسعار المحروقات بالمغرب، وتجاوز سعر لتر الغازوال عتبة 17 درهماً مع بداية شهر نونبر الجاري، النقاش حول مستقبل سوق الوقود إلى الواجهة، وسط تصاعد المطالب السياسية والنقابية الداعية إلى مراجعة آليات تحديد الأسعار وتعزيز الرقابة على القطاع، في ظل الانعكاسات المتزايدة لهذه الزيادات على القدرة الشرائية للمواطنين وتكاليف الأنشطة الاقتصادية.
ولم يعد تأثير ارتفاع أسعار المحروقات محصوراً في مستعملي السيارات، بل امتد ليشمل مهنيي النقل الطرقي وقطاعات توزيع البضائع والخدمات، بالنظر إلى ارتباط كلفة الوقود بأسعار النقل والإنتاج، وهو ما يثير مخاوف من انتقال موجة الغلاء إلى عدد من المواد الاستهلاكية والخدمات الأساسية.
وفي مواجهة هذه الوضعية، تتزايد الدعوات الموجهة إلى الحكومة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري لاتخاذ تدابير عملية تتجاوز الدعم الظرفي، من خلال مراجعة المنظومة الضريبية المرتبطة بالمحروقات، وفحص هوامش أرباح الشركات، وتعزيز الشفافية بشأن تكاليف الاستيراد والتسويق.
وفي هذا السياق، دعا الاتحاد النقابي للنقل الطرقي، المنضوي تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، إلى إحداث آلية وطنية خاصة بالغازوال المهني، تتيح تخفيف تكاليف التزود بالوقود لفائدة العاملين في القطاع، إلى جانب إعفاء مهنيي النقل من الضرائب المفروضة على المحروقات، بما فيها الضريبة على القيمة المضافة.
واعتبر التنظيم النقابي أن استمرار ارتفاع الأسعار يضع المقاولات الصغرى والمتوسطة أمام ضغوط مالية متزايدة، ويؤثر على مداخيل المهنيين وقدرتهم على مواصلة نشاطهم وتجديد أساطيلهم والحفاظ على مناصب الشغل. كما طالب بإعادة تقييم تجربة تحرير أسعار المحروقات التي دخلت حيز التنفيذ في فاتح دجنبر 2015، خصوصاً من حيث شروط المنافسة وشفافية تحديد الأسعار ومدى انعكاس التغيرات الدولية على السوق الوطنية.
وامتدت المطالب النقابية إلى مراجعة الدعم الاستثنائي الموجه إلى مهنيي النقل، سواء من حيث قيمته أو شروط الاستفادة منه، مع التشديد على ضرورة وصوله إلى الفئات التي تتحمل فعلياً تكاليف الوقود، بما فيها ناقلو البضائع والمسافرون وأصحاب سيارات الأجرة والنقل المزدوج والسياحي والمدرسي.
وعلى المستوى البرلماني، برزت بدورها مقترحات تروم تخفيف العبء الضريبي عن المحروقات، حيث دعا عبد الله بووانو، عن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، إلى اعتماد نظام ضريبي مرن يرتبط بتطور الأسعار في الأسواق الدولية، من خلال تخفيض الضرائب عندما ترتفع الأسعار وإمكانية مراجعتها عند تسجيل تراجعات، بما يسمح بالحد من انتقال التقلبات الخارجية إلى المستهلك المغربي.
وأشار بووانو إلى أن العبء المرتبط بالضريبة الداخلية على الاستهلاك والضريبة على القيمة المضافة يتراوح، وفق المعطيات التي قدمها، بين 38 و46 في المائة، معتبراً أن مراجعة آليات التحصيل الضريبي يمكن أن توفر هامشاً للتدخل خلال فترات ارتفاع الأسعار.
من جانبه، أثار إدريس الأزمي مسألة تسقيف هوامش أرباح شركات المحروقات، بالتوازي مع تشديد مراقبة الأسعار وتكاليف الاستيراد، فيما دعا عمر بنجلون، عن المجموعة النيابية لتحالف اليسار، إلى تسقيف أسعار البيع النهائي للمستهلك وإعادة إحياء مصفاة سامير، باعتبارها منشأة ترتبط بقدرات المغرب في مجال التكرير والتخزين.
وفي المقابل، تواصل الحكومة الاعتماد على الدعم الاستثنائي المباشر لمهنيي النقل الطرقي، حيث سبق الإعلان عن حصة إضافية تمتد على مدى 15 يوماً، في إطار مواصلة مواكبة القطاع والتخفيف من تداعيات ارتفاع أسعار المواد البترولية على المهنيين.
وبين المطالب النقابية والمقترحات البرلمانية والتدابير الحكومية المعتمدة، يتضح أن ملف المحروقات أصبح يتطلب معالجة شاملة تأخذ بعين الاعتبار مصالح المستهلكين والمهنيين والتوازنات الاقتصادية للدولة.
فالرهان الحقيقي لم يعد مرتبطاً فقط بتقديم دعم مؤقت، وإنما بإيجاد آليات فعالة تضمن شفافية السوق وتحد من انعكاسات تقلبات الأسعار على الحياة اليومية للمغاربة.
ويبقى أمام الحكومة تحدي تقديم أجوبة عملية عن هذه المطالب، في وقت تتزايد فيه حساسية المواطنين تجاه كلفة المعيشة، وتتعاظم الحاجة إلى سياسة طاقية أكثر توازناً، قادرة على حماية القدرة الشرائية ودعم استقرار الاقتصاد الوطني.