الأمن المائي بالمغرب: الربط بين الأحواض كرافعة للتوازن بين الجفاف والفيضانات

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

أضحى تدبير الموارد المائية بالمغرب يدخل مرحلة دقيقة تتجاوز منطق مواجهة الجفاف وحده، نحو معالجة معادلة أكثر تعقيدًا تجمع بين ندرة الماء من جهة، وتكرار الفيضانات وارتفاع منسوب المياه في بعض الأحواض من جهة أخرى. فالتغيرات المناخية لم تعد تنتج فقط سنوات جافة، بل أفرزت أيضًا تساقطات مطرية فجائية ومركزة، تتسبب في فيضانات مدمرة وخسائر مادية وبشرية، ما يفرض مقاربة مائية أكثر توازنًا ومرونة.
في هذا السياق، يبرز مشروع الربط بين الأحواض المائية كخيار استراتيجي مزدوج الأهداف، لا يقتصر على تزويد المناطق التي تعاني من الخصاص المائي، بل يمتد ليشمل التحكم في الفائض المائي والحد من مخاطر الفيضانات التي تعرفها بعض الأحواض خلال فترات التساقطات القوية.
فالعديد من الأحواض الشمالية والغربية، مثل حوض اللوكوس وسبو، تسجل خلال مواسم معينة ارتفاعًا مقلقًا في منسوب المياه، يؤدي إلى فيضانات تُهدر كميات هائلة من الموارد المائية في البحر، بعد أن تتسبب في أضرار جسيمة للبنية التحتية والأنشطة الفلاحية. وهنا، يصبح نقل جزء من هذا الفائض نحو الأحواض التي تعاني من الإجهاد المائي حلًا عمليًا يجمع بين الوقاية من المخاطر الطبيعية وتعزيز الأمن المائي الوطني.
ويمثل هذا التوجه تحولًا نوعيًا في فلسفة التدبير المائي، قوامه الانتقال من منطق ردّ الفعل إلى منطق الاستباق والتوازن. فالماء لم يعد يُنظر إليه كمورد محلي مرتبط بحدود الحوض فقط، بل كرصيد وطني مشترك يستوجب توزيعًا عقلانيًا يراعي الاختلالات المجالية ويحدّ من التفاوت بين الجهات.
كما أن الربط بين الأحواض ينسجم مع مبادئ العدالة المجالية والتضامن الترابي، إذ يسمح بتحويل الفائض إلى فرصة تنموية، بدل أن يتحول إلى تهديد في شكل فيضانات، أو أن يُهدر في البحر في وقت تعاني فيه مناطق واسعة من العطش والإجهاد المائي المزمن.
غير أن نجاح هذا الخيار يظل مشروطًا بجملة من الضوابط العلمية والبيئية، في مقدمتها الحفاظ على التوازن الإيكولوجي داخل الأحواض المانحة، وضمان استمرارية التدفقات البيئية، حتى لا يؤدي نقل المياه إلى إضعاف النظم الطبيعية أو الإضرار بالفرشات المائية. كما تظل الكلفة المالية العالية لمشاريع الربط تحديًا يستدعي حكامة صارمة وضمانات للنجاعة الاقتصادية.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار الربط بين الأحواض حلًا سحريًا، بل جزءًا من منظومة متكاملة لتدبير الماء، تشمل تحلية مياه البحر، وتثمين المياه العادمة المعالجة، وتحسين مردودية شبكات التوزيع، إلى جانب ترشيد الاستهلاك وتحديث أساليب الري الفلاحي.
خلاصة القول، إن الرهان الحقيقي للسياسة المائية بالمغرب لم يعد محصورًا في مواجهة الجفاف فقط، بل في تحقيق توازن ذكي بين تدبير الندرة والتحكم في الفائض. ويشكل الربط بين الأحواض المائية أحد المفاتيح الأساسية لهذا التوازن، بما يجعله أداة استراتيجية لحماية الأرواح، وصون الموارد، وضمان أمن مائي مستدام للأجيال القادمة.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.