مراجعة القانون التنظيمي للجهات: إعادة بناء الحكامة الترابية على إيقاع الحكم الذاتي واستحقاقات 2026
تدخل مراجعة القانون التنظيمي للجهات مرحلة مفصلية في مسار إصلاح المنظومة الترابية بالمغرب، باعتبارها رافعة مؤسساتية أساسية لمواكبة التحولات الدستورية والسياسية، والاستجابة لرهانات كبرى في مقدمتها تنزيل مشروع الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية، والتحضير الأمثل للاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026 في سياق وطني وإقليمي متغير.
هذه المراجعة لا تُطرح كتمرين تقني معزول، بل كخيار استراتيجي لإعادة هندسة العلاقة بين الدولة والجهات، على أساس تعاقد جديد قوامه توسيع مجالات الاختصاص، وتعزيز الاستقلالية التدبيرية، والانتقال من منطق التفويض المحدود إلى منطق الجهة الفاعلة والمبادِرة في التنمية وصناعة القرار العمومي.
ويُنتظر أن تعالج المراجعة المرتقبة عدداً من الاختلالات التي أفرزتها التجربة العملية لتطبيق الجهوية المتقدمة، وعلى رأسها تداخل الاختصاصات بين الدولة والجهات، وضعف الالتقائية بين السياسات العمومية، إضافة إلى محدودية الموارد المالية والبشرية، وما يترتب عن ذلك من فجوة بين الطموح الدستوري والواقع التدبيري.
وفي ارتباط وثيق بملف الصحراء المغربية، تكتسي مراجعة القانون التنظيمي للجهات بعداً سيادياً واضحاً، إذ يُنظر إليها كإطار مؤسساتي داعم لمقترح الحكم الذاتي، من خلال تمكين الجهات، خاصة بالأقاليم الجنوبية، من صلاحيات موسعة في التدبير الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، بما يعزز مصداقية النموذج المغربي ويكرّس الجهة كفضاء ديمقراطي لتدبير الشأن المحلي في ظل السيادة الوطنية.
كما تندرج هذه المراجعة في سياق التحضير لاستحقاقات 2026، حيث تفرض متطلبات الشفافية والنجاعة والتمثيلية الديمقراطية إعادة النظر في نمط اشتغال المجالس الجهوية، وشروط انتخاب أعضائها، وآليات المراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يضمن إفراز نخب ترابية قادرة على حمل مشاريع تنموية حقيقية، بعيداً عن منطق التدبير الظرفي أو الحسابات الضيقة.
ويراهن صانع القرار على أن تفضي هذه المراجعة إلى جهة قوية بمؤسساتها، واضحة في اختصاصاتها، ومتوفرة على أدوات التمويل والتخطيط، وقادرة على التفاعل السريع مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية، في انسجام مع الرؤية الملكية التي جعلت من الجهوية المتقدمة حجر الزاوية في بناء نموذج تنموي متوازن وعادل.
في ضوء ذلك، تشكل مراجعة القانون التنظيمي للجهات مرحلة مفصلية لإعادة هيكلة المعمار الترابي، لا تقتصر على مواءمة النصوص القانونية مع الواقع، بل تهدف إلى تأسيس هندسة مؤسساتية متطورة تمنح الجهة دورًا محوريًا في تعزيز الديمقراطية الترابية، وترسيخ الاستقرار السياسي، والقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية بكفاءة وثبات.