رخصة السياقة على محك الإصلاح… منظومة امتحانات جديدة تعيد ترتيب قواعد النجاح بالمغرب
دخلت امتحانات رخصة السياقة بالمغرب مرحلة تحول عميق، بعد اعتماد تغييرات وُصفت بالجذرية، تروم إعادة الاعتبار لمصداقية الشهادة، وتعزيز السلامة الطرقية، ووضع حد لاختلالات رافقت المنظومة لسنوات. إصلاحات لا تمس الشكل فقط، بل تطال الجوهر، من مناهج التكوين إلى آليات التقييم والمراقبة.
وتقوم الفلسفة الجديدة لهذه التغييرات على الانتقال من منطق “الحفظ واجتياز الامتحان” إلى منطق الكفاءة الفعلية والقدرة الحقيقية على السياقة الآمنة. إذ لم يعد المطلوب من المترشح مجرد اجتياز اختبار نظري أو عملي، بل إثبات امتلاكه للمعارف والسلوكيات الضرورية للتعامل مع الطريق باعتبارها فضاءً مشتركاً ومسؤولية جماعية.
وعلى مستوى الامتحان النظري، تم إدخال مقاربات حديثة في صياغة الأسئلة، ترتكز أكثر على تحليل الوضعيات المرورية واتخاذ القرار السليم في الزمن المناسب، بدل الاكتفاء بأسئلة تقليدية مباشرة. كما جرى تحيين بنك الأسئلة بشكل دوري، مع تشديد إجراءات المراقبة للحد من أي تلاعب أو تسريب.
أما الامتحان التطبيقي، فقد عرف بدوره مراجعة شاملة لمعايير التقييم، حيث أصبح التركيز موجهاً نحو سلوك المترشح أثناء السياقة، واحترامه لقواعد السلامة، وقدرته على التحكم في المركبة تحت مختلف الظروف، بدل التركيز فقط على المناورات التقنية المعزولة. وهو ما جعل الرسوب أو النجاح مرتبطين بالأداء العام وليس بهفوة عابرة.
وفي سياق متصل، شملت الإصلاحات مراكز تعليم السياقة، من خلال تشديد شروط الاعتماد، وتعزيز المراقبة الإدارية والبيداغوجية، مع تحميلها مسؤولية أكبر في جودة التكوين، باعتبارها الحلقة الأساسية في إعداد سائقين واعين بمخاطر الطريق وليس مجرد طالبي رخص.
وتأتي هذه التغييرات في سياق وطني يتسم بارتفاع مقلق في حوادث السير، ما جعل السلامة الطرقية أولوية قصوى، تستدعي إصلاحاً هيكلياً يبدأ من التكوين وينتهي بسلوك السائق على الطريق. إذ تراهن السلطات الوصية على أن تحسين جودة امتحانات السياقة سيُسهم، على المدى المتوسط، في تقليص عدد الحوادث وإنقاذ الأرواح.
وبين من يعتبر هذه الإجراءات خطوة شجاعة لإعادة الانضباط إلى قطاع ظل لسنوات محط انتقادات، ومن يراها تحدياً إضافياً أمام المترشحين، يبقى الثابت أن رخصة السياقة لم تعد مجرد وثيقة إدارية، بل شهادة كفاءة ومسؤولية، عنوانها الأبرز: طريق أكثر أماناً يبدأ من امتحان أكثر صرامة.