الصحراء المغربية بعد مدريد: العالم يحسم… والحكم الذاتي ينتصر

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

لم يعد ملف الصحراء المغربية ساحة مفتوحة للمزايدات الإيديولوجية ولا منصة لتكرار شعارات تجاوزها الزمن. لقاء مدريد الأخير جاء ليؤكد، بشكل لا لبس فيه، أن المنتظم الدولي انتقل من مرحلة “تدبير النزاع” إلى مرحلة “إنهائه”، ومن منطق الخطابات الفضفاضة إلى منطق الحل الواقعي القابل للتنزيل، وفي قلبه مبادرة الحكم الذاتي المغربية.
ردود فعل منتدى فورساتين، المهتم بقضايا مخيمات تندوف، عكست بوضوح عمق هذا التحول. فالمنتدى لم يتعامل مع لقاء مدريد كحدث دبلوماسي عابر، بل اعتبره محطة فاصلة وضعت النزاع أمام لحظة الحسم السياسي، حيث تم تثبيت الحكم الذاتي كالإطار الوحيد الجدي والواقعي للنقاش، وفق وثيقة رسمية واضحة، أنهت مرحلة الغموض وفتحت باب التنفيذ.
هذا التحول النوعي يصب مباشرة في صالح المغرب، الذي ظل، منذ طرح مبادرته سنة 2007، ثابتًا في موقفه، واثقًا في شرعية طرحه، ومقتنعًا بأن الواقعية هي السبيل الوحيد لإنهاء نزاع مفتعل طال أمده. واليوم، تؤكد التطورات الدولية أن الرهان المغربي كان في محله، وأن المجتمع الدولي التحق أخيرًا بخيار أثبت جديته ومصداقيته.
في المقابل، تكشف هذه المرحلة حالة الإفلاس السياسي التي تعيشها جبهة البوليساريو. فمنذ صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797، دخلت القيادة في دوامة تناقضات صارخة: رفض علني للقرار الأممي، يقابله انخراط عملي في لقاءات ومشاورات دولية، من بينها لقاء مدريد، دون امتلاك أي تصور بديل أو مشروع قابل للحياة. هذا التخبط لم يعد خافيًا، لا على المجتمع الدولي، ولا على سكان مخيمات تندوف أنفسهم.
ومع تراجع العزلة المفروضة على المخيمات بفعل الانفتاح التكنولوجي، بدأت الحقائق تتسرب، وبدأ الوعي يتشكل. سكان المخيمات باتوا يدركون أن القيادة التي ترفع شعار “تقرير المصير” تمارس عكسه على أرض الواقع، وتستثمر في استمرار المعاناة بدل البحث عن حل ينهيها. ومع وصول خلاصات لقاء مدريد إلى المخيمات، تعزز الإدراك بأن الحكم الذاتي أصبح الوثيقة المرجعية المعتمدة دوليًا، بما في ذلك على مستوى المواقف الإقليمية.
الأهم من ذلك، أن النقاش لم يعد يدور حول المبادئ العامة، بل حول التفاصيل العملية. تداول فكرة إحداث لجنة تقنية دائمة، بإشراف أمريكي–أممي، لتفصيل آليات تنزيل الحكم الذاتي، من الإدارة المحلية إلى الأمن والقضاء والمالية، يؤكد أن الملف دخل مرحلة اللاعودة، وأن خيار المغرب لم يعد مقترحًا، بل مسارًا قيد التفعيل.
وفي هذا السياق، يبرز صعود أصوات صحراوية من داخل المخيمات، من مثقفين وأطر وشباب، يطالبون بإنهاء الوضع القائم واستثمار الفرصة التاريخية التي يوفرها الحكم الذاتي. هؤلاء يوجهون خطابًا عقلانيًا للساكنة، مفاده أن القانون الدولي لا يُدار بالعاطفة، بل بميزان القوة والشرعية والواقعية، وهي العناصر التي جمعها المغرب في مقاربته، حين ربط تقرير المصير بحكم ذاتي موسع تحت سيادته الوطنية.
اليوم، لم يعد الدفاع عن مغربية الصحراء وحل الحكم الذاتي حكرًا على الدبلوماسية المغربية أو الخطاب الرسمي للدولة، بل أصبح خيارًا تتبناه فئات متزايدة داخل مخيمات تندوف نفسها، بعد عقود من الوهم والانتظار. قناعة تتشكل بأن المستقبل لا يُبنى في المخيمات، ولا في صراعات بالوكالة، بل في حل يضمن الكرامة والاستقرار والتنمية.
ما بعد مدريد ليس كما قبله. فالمغرب، بثباته الاستراتيجي ورؤيته الواقعية، نجح في فرض منطقه، وتحويل مبادرته إلى مرجعية دولية. أما من لا يزال يراهن على إطالة أمد النزاع، فقد وجد نفسه خارج الزمن السياسي، وأمام حقيقة واحدة: الصحراء مغربية، والحكم الذاتي هو الحل الذي انتصر.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.