عندما يتكلم الاحتراف وتصمت الذرائع… المغرب يفرض معاييره في كأس إفريقيا

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

لم تأتِ إشادة محمد صلاح بالتنظيم والمعسكرات في البطولة القارية من باب المجاملة أو المجاملة الدبلوماسية، بل صدرت عن لاعب بلغ قمة الاحتراف العالمي، وتكوّن في أقسى وأدق البيئات الكروية. حديثه عن “أفضل معسكر في مسيرته” لم يكن تفصيلاً عابراً، بل مؤشرًا قوياً على مستوى غير مسبوق من الجاهزية والتنظيم، يعكس تحول كأس إفريقيا بالمغرب إلى تجربة أقرب إلى المعايير الأوروبية منها إلى الصورة النمطية التي لازمت المنافسات الإفريقية لسنوات.
هذا الانطباع لم يكن فردياً ولا معزولاً. مدربون ولاعبون من مدارس كروية مختلفة، شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، التقوا عند نقطة واحدة: جودة البنية التحتية، احترافية الاستقبال، انسيابية التنقل، والانضباط الأمني. جماهير جاءت من بلدان متعددة وجدت نفسها في أجواء احتفالية، تحكمها الروح الرياضية والاحترام المتبادل، ما جعل البطولة تتجاوز بعدها الرياضي لتتحول إلى واجهة حضارية تعكس صورة كرة القدم الإفريقية الممكنة، لا المتخيلة فقط.
في قلب هذا المشهد الإيجابي، برز تناقض لافت، كسر هذا الانسجام العام. منتخب واحد بدا وكأنه يلعب خارج الزمن، أداءً وسلوكاً وخطاباً. على أرضية الملعب، ظهر المنتخب الجزائري بلا هوية واضحة، عاجزاً عن مجاراة الإيقاع المتسارع للكرة الحديثة، ومثقلًا باختيارات تقنية لم تعد صالحة لمنافسة تطورت أدواتها وأساليبها. خروج باهت كشف فجوة بين الخطاب والطموح من جهة، والواقع الكروي من جهة أخرى.
وخارج المستطيل الأخضر، انتقل هذا الاختلال إلى المدرجات. ففي الوقت الذي جسدت فيه أغلب الجماهير الإفريقية صورة المشجع الواعي، المتفاعل مع اللعبة ومع البلد المنظم، سُجلت حالات فوضى وشغب من بعض أنصار المنتخب الجزائري، شوّهت المشهد العام، وناقضت الروح التي طبعت البطولة. سلوكيات معزولة لكنها كافية لتسليط الضوء على خلل أعمق من مجرد خسارة مباراة.
الأكثر إثارة للانتباه لم يكن الفشل في حد ذاته، بل طريقة التعاطي معه. بدل قراءة موضوعية تُفضي إلى مراجعة حقيقية، طغى خطاب يرفض الاعتراف بالواقع، ويبحث عن مبررات خارجية، في تناقض واضح مع ما عبّر عنه نجوم كبار اختاروا لغة الاحتراف، واعترفوا بجودة التنظيم وقوة المنافسة دون تردد.
نجاح البطولات الكبرى لا يُختزل في الكؤوس والأهداف، بل يُقاس أيضاً بسلوك المشاركين، بقدرتهم على تقبل النتائج، وباحترامهم لروح اللعبة وللجمهور وللبلد المنظم. المغرب، بشهادة من داخل القارة وخارجها، نجح في تقديم نموذج متكامل. أما من اختار الاصطفاف خارج هذا الإجماع، فإن موقفه لا ينال من قيمة البطولة، بل يعكس أزمة داخلية تحتاج إلى شجاعة الاعتراف، لأن كرة القدم، كما الاحتراف، لا تتقدم بالإنكار، بل بالنقد الصريح والبناء.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.