حوض اللوكوس أمام اختبار الحكامة المائية: سد واد المخازن بين منطق الاستعجال وغياب الرؤية الاستباقية
لم يعد ما يشهده سد واد المخازن مجرد وضع تقني ظرفي مرتبط بتساقطات مطرية موسمية، بل أضحى اختبارًا حقيقيًا لمنظومة تدبير المخاطر المائية بحوض اللوكوس، في سياق يتسم بتزايد التقلبات المناخية وتنامي الضغط على البنيات التحتية المائية.
فالمعطيات الميدانية المتوفرة تفيد ببلوغ السد مستوى امتلاء مقلق، بالتوازي مع تعطّل أو ضعف فعالية نظام التفريغ نتيجة تراكم الأوحال، ومع توقعات بأمطار إضافية قد ترفع من منسوب المياه بشكل يفوق قدرة الاستيعاب الآمنة. غير أن خطورة الوضع لا تكمن فقط في وفرة المياه، بل في الطريقة التي جرى بها تدبير هذا الوضع.
اختلال التنسيق… نقطة الضعف البنيوية
تكشف هذه الحالة، مرة أخرى، عن هشاشة التنسيق المؤسساتي بين مصالح الأرصاد الجوية، باعتبارها منتجة للمعطى التوقعي، وبين الجهات المكلفة باتخاذ القرار داخل وكالة حوض اللوكوس وباقي المتدخلين. فالمعلومة المناخية، حين لا تُترجم في الوقت المناسب إلى قرار استباقي، تفقد قيمتها الوقائية وتتحول إلى مجرد معطى إخباري.
إن غياب آلية فعّالة للربط اللحظي بين التوقع الجوي والتدبير المائي يجعل السدود تُدار في كثير من الأحيان بمنطق ردّ الفعل، لا بمنطق التحكم المسبق في المخاطر، وهو ما يضع المنشآت المائية والفضاءات الحضرية الواقعة أسفلها في وضعية هشاشة دائمة.
المدن السفلى… الحلقة الأضعف
يشكل نهر اللوكوس شريانًا حيويًا للمنطقة، لكنه في الوقت ذاته مصدر خطر حين يبلغ مستويات قصوى دون هامش أمان كافٍ. ومع امتلاء مجرى الواد، تصبح مدينة القصر الكبير في صدارة المناطق المهددة، بحكم موقعها الجغرافي وطبيعة نسيجها العمراني، إضافة إلى الساكنة المجاورة للواد بمدينة العرائش والمجالات الفلاحية المحاذية.
وتكمن الإشكالية هنا في أن هذه الفضاءات تؤدي ثمن اختلالات لا تتحكم فيها، ما يطرح سؤال العدالة المجالية في تدبير المخاطر، وحماية الساكنة من نتائج قرارات تقنية تُتخذ بعيدًا عن منطق التشاركية والشفافية.
من تدبير السدود إلى تدبير المخاطر
إن ما يفرضه السياق الحالي هو الانتقال من منطق تدبير السد كمنشأة تقنية معزولة، إلى تدبير مندمج للمخاطر المائية، يقوم على:
الصيانة الدورية العميقة، خصوصًا إزالة الأوحال التي تُفقد أنظمة التفريغ فعاليتها.
سيناريوهات استباقية واضحة للتفريغ التدريجي قبل بلوغ مستويات حرجة.
منظومة إنذار مبكر موجهة للساكنة، لا تكتفي بالتدخل بعد وقوع الخطر.
تنسيق مؤسساتي صارم، تُحدد فيه المسؤوليات ولا يُترك فيه القرار للتقدير الفردي أو الظرفي.
رهان الثقة والمسؤولية
في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر فقط بتفادي فيضان محتمل، بل ببناء الثقة بين المواطن والمؤسسات. فالصمت أو التأخر في التواصل خلال لحظات التوتر المائي يُنتج القلق ويغذي الإشاعة، في حين أن المعلومة الدقيقة والقرار الواضح يشكلان خط الدفاع الأول ضد الكوارث.
إن سد واد المخازن، في وضعه الحالي، يبعث برسالة واضحة: التغيرات المناخية لم تعد تنتظر جاهزية المؤسسات، ومن لم يطوّر أدواته التدبيرية والاستباقية سيظل في مواجهة دائمة مع المخاطر.
ويبقى الرهان اليوم على تدخل عقلاني، شجاع، ومسؤول، لا ينحصر في معالجة الظرفية، بل يؤسس لتحول حقيقي في حكامة الماء وتدبير المخاطر بحوض اللوكوس، حمايةً للأرواح، وصونًا للمجال، وضمانًا للاستقرار.