صناعة المحتوى في سن الطفولة.. حين تتحول البراءة إلى حضور رقمي مفتوح على المخاطر
أصبح حضور الأطفال على منصات التواصل الاجتماعي وصناعة المحتوى من الظواهر التي تفرض نفسها بقوة داخل المجتمع، بعدما انتقلت الهواتف الذكية والكاميرات من مجرد أدوات للترفيه إلى وسائل لإنتاج فيديوهات تحصد آلاف المشاهدات والتفاعلات.
وفي الوقت الذي ينظر فيه البعض إلى هذه الظاهرة باعتبارها فرصة أمام الأطفال لإبراز مواهبهم وتطوير قدراتهم في التواصل والتصوير والإبداع، تثير مشاركة القاصرين في صناعة المحتوى أسئلة متزايدة حول الخصوصية، والاستغلال، والضغط النفسي، ومستقبل المواد التي يتم نشرها باسمهم أو بمشاركتهم.
فالمشكلة لا تكمن بالضرورة في ظهور الطفل أمام الكاميرا، وإنما في طبيعة البيئة الرقمية التي يدخل إليها، وفي مدى قدرته على فهم نتائج ما ينشره، خصوصا أن المحتوى المنشور على الإنترنت قد لا يختفي بسهولة، وقد يعود إلى الواجهة بعد سنوات عندما يصبح الطفل شخصا بالغا له مسار دراسي أو مهني واجتماعي مختلف.
يرى محمد النحيلي، رئيس منظمة بدائل للطفولة والشباب والخبير في قضايا الطفولة والشباب، أن صناعة المحتوى من طرف الأطفال يمكن أن تفتح أمامهم مجالات للتعبير والإبداع واكتساب مهارات رقمية، غير أن ذلك ينبغي ألا يحجب المخاطر المرتبطة بهذا الحضور المبكر.
ويعتبر النحيلي أن الطفل لا يمتلك دائما القدرة النفسية والإدراكية التي تمكنه من تقدير النتائج بعيدة المدى لما ينشره، موضحا أن مقطعاً قد يبدو للطفل عادياً أو مضحكاً في سن معينة، يمكن أن يتحول مستقبلا إلى مادة للتنمر أو السخرية أو التشهير أو الابتزاز.
وتزداد الإشكالية عندما يصبح الطفل مرتبطا بالأرقام التي تحققها منشوراته، من مشاهدات وإعجابات وتعليقات ومتابعين، إذ يمكن أن يتحول التفاعل الرقمي تدريجيا إلى معيار لتقييم الذات والثقة بالنفس.
كما أن طبيعة المنصات الرقمية القائمة على جذب الانتباه وتحفيز المستخدمين على الاستمرار في التفاعل تجعل الأطفال، بسبب حداثة سنهم وقلة تجربتهم، أكثر حاجة إلى حماية ومواكبة مستمرة.
ولا يقتصر حضور الطفل في الفضاء الرقمي على الجانب الترفيهي، فقد أصبح في بعض الحالات جزءا من منظومة اقتصادية تستفيد من الإعلانات والرعاية والمشاهدات.
وهنا تبرز مسؤولية الأسرة بشكل أساسي، خاصة عندما يتحول المحتوى الذي يظهر فيه الطفل إلى مصدر للدخل أو إلى نشاط منتظم يستهدف تحقيق أرقام مرتفعة.
فقد يجد الطفل نفسه مطالبا بتصوير محتويات متكررة، أو الظهور أمام الجمهور في أوقات لا تتناسب مع حاجاته الطبيعية، أو الاستمرار في تقديم مواد تحافظ على مستوى معين من التفاعل. ومع مرور الوقت، يمكن أن تتحول الهواية إلى التزام يفرض ضغطا نفسيا على طفل لم يكتمل نضجه بعد.
ويطرح هذا الواقع سؤالا جوهريا حول الحدود الفاصلة بين تشجيع موهبة الطفل وبين تحويل طفولته إلى مادة للاستهلاك الرقمي.
ومن الجانب النفسي والاجتماعي، يرى عادل الحساني، الخبير في علم النفس الاجتماعي، أن انتشار صناعة المحتوى بين الأطفال يعكس تحولا عميقا في الطريقة التي تتشكل بها شخصية الطفل داخل المجتمع.
فالطفل لم يعد يتلقى التأثير فقط من الأسرة والمدرسة والمحيط الاجتماعي، وإنما أصبح معرضا بشكل مستمر لتقييم جمهور رقمي واسع، قد يكون مجهولا بالنسبة إليه ولا تربطه به أي علاقة مباشرة.
ويؤكد الحساني أن الاعتماد المفرط على ردود فعل الجمهور يمكن أن يجعل الطفل يعيد تشكيل سلوكه وصورته عن نفسه وفق ما يلقى رواجا في المنصات، بدلا من بناء شخصيته بصورة تدريجية ومستقلة.
وتكمن الخطورة في أن الطفل قد يتعلم مبكرا أن الحصول على الإعجاب مرتبط بالظهور، وأن قيمة المحتوى تقاس بعدد المشاهدات، وأن قبول الآخرين يتحدد بمقدار التفاعل الذي يحصل عليه.
ومن أكثر الإشكالات تعقيدا تلك المرتبطة بالبصمة الرقمية.
فالمحتوى الذي ينتجه الطفل اليوم قد يبقى متداولا أو محفوظا أو معاد نشره بعد سنوات، حتى لو تغيرت رغبته في الظهور أو أصبح يرى ما نشره سابقا بطريقة مختلفة.
وهنا يبرز مفهوم “الحق في النسيان الرقمي”، باعتباره أحد التحديات التي تفرض نفسها مع تنامي مشاركة الأطفال في الفضاء الإلكتروني.
فالطفل الذي يظهر في فيديو وهو في الثامنة أو العاشرة من عمره قد لا يكون قادرا على تصور أنه سيصبح في المستقبل طالبا جامعيا أو موظفا أو شخصية عامة، وأن محتويات من طفولته قد يعاد تداولها في سياقات لم تكن في حسبانه.
وقد يصبح الماضي الرقمي، في بعض الحالات، جزءا من الصورة التي يحملها الآخرون عنه، رغم أن صاحب المحتوى نفسه لم يكن يمتلك عند إنتاجه الأهلية الكاملة لاتخاذ قرار طويل الأمد بشأن هويته الرقمية.
وأمام هذه التحولات، لا يبدو أن توعية الأسر والأطفال وحدها قادرة على معالجة جميع الإشكالات المطروحة.
فالأسرة مطالبة بممارسة دور رقابي وتربوي يضمن ألا يتحول الطفل إلى وسيلة لتحقيق المشاهدات أو الأرباح، فيما تتحمل المنصات الرقمية مسؤولية تطوير آليات أكثر فعالية لحماية القاصرين، خصوصا فيما يتعلق بالخصوصية والاستهداف الإعلاني والتواصل مع الغرباء.
كما يبرز دور المشرع في مواكبة التطورات التكنولوجية المتسارعة، بما يضمن تحقيق توازن بين حق الأطفال في الاستفادة من التكنولوجيا وحقهم في الحماية.
وفي هذا السياق، يرى النحيلي أن النقاش ينبغي أن يتجاوز التحذيرات العامة إلى بحث إمكانية وضع ضوابط أكثر صرامة لحضور الأطفال في منصات التواصل، بما في ذلك آليات فعالة للتحقق من السن، وحماية المعطيات الشخصية، وتشديد الرقابة على المحتويات التي تستغل الأطفال تجاريا.
لا شك أن التكنولوجيا فتحت أمام الأطفال أبوابا واسعة للتعلم والإبداع واكتشاف المواهب، كما أن صناعة المحتوى يمكن أن تكون تجربة إيجابية إذا تمت في ظروف آمنة وتربوية تحترم سن الطفل وخصوصيته.
لكن تحويل الطفل إلى واجهة دائمة أمام الجمهور، وربط نجاحه بمؤشرات التفاعل والأرباح، قد يحول هذه التجربة إلى مصدر لضغوط تتجاوز قدرته على الاستيعاب.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في منع الأطفال من استخدام التكنولوجيا بشكل مطلق، وإنما في بناء بيئة رقمية تراعي خصوصية الطفولة، وتمنح الطفل حقه في الخطأ والتعلم والنمو بعيدا عن أعين جمهور لا ينسى بسهولة.
فكما يحتاج الطفل إلى مساحة آمنة في العالم الواقعي، فإنه يحتاج أيضا إلى مساحة مماثلة في العالم الرقمي؛ مساحة لا تتحول فيها لحظات طفولته إلى محتوى دائم، ولا تصبح براءته سلعة في سوق المشاهدات، ولا تلاحقه اختياراته المبكرة عندما يكبر.