تاوريرت… مدينة الإنسان والذاكرة، وجبل 44 شاهد على أصالة المكان وامتداد الجغرافيا
تحتفظ مدينة تاوريرت بمكانة خاصة ضمن المجال الجغرافي والثقافي لجهة الشرق، باعتبارها فضاءً تتقاطع فيه الذاكرة المحلية مع التحولات العمرانية والاجتماعية والاقتصادية. فالمدينة لا تختزل في بناياتها وشوارعها، وإنما تشكل جزءاً من منظومة مجالية أوسع، تتداخل فيها المجالات الحضرية والقروية والجبلية، وتمنحها مؤهلات طبيعية وثقافية يمكن أن تشكل قاعدة لتنمية سياحية مستدامة.
وفي هذا المشهد، يبرز جبل 44 باعتباره أحد المكونات الطبيعية اللافتة في محيط تاوريرت، بما يمنحه من خصوصية تضاريسية وإطلالات ومؤهلات يمكن أن تؤسس مستقبلاً لمنتج سياحي يقوم على الطبيعة والمغامرة والاستكشاف. غير أن القيمة السياحية للجبل لا ينبغي أن تُقرأ بمعزل عن محيطه الطبيعي، وفي مقدمة ذلك واد “زا” الذي يزيد المنطقة جمالاً ويمنحها بعداً بيئياً وجغرافياً إضافياً.
فواد زا يمثل عنصراً مهماً في المشهد الطبيعي للمنطقة، ويشكل، إلى جانب المرتفعات والمجالات القروية المحيطة، منظومة بيئية ومجالية يمكن تثمينها ضمن رؤية سياحية متكاملة. وتكمن أهمية الوادي في ما يمكن أن يوفره من إمكانات للأنشطة المرتبطة بالسياحة البيئية والاستكشاف والتنزه والتصوير الطبيعي، بما يعزز جاذبية المجال ويمنحه تنوعاً يمكن استثماره في إعداد عرض سياحي متكامل.
ومن هذا المنطلق، فإن الجمع بين جبل 44 وواد “زا” والمجالات الطبيعية والقروية المحيطة يمكن أن يمنح تاوريرت فرصة لبناء منتج سياحي مختلف، لا يقوم فقط على زيارة موقع واحد، وإنما على تجربة متكاملة تتيح للزائر اكتشاف الطبيعة والإنسان والثقافة المحلية في آن واحد.
وتبرز هنا ضرورة التفكير في إعداد دراسة علمية وميدانية دقيقة للمؤهلات السياحية لجبل 44 وواد زا، تشمل طبيعة المجال، والمسالك الممكن تهيئتها، ونقاط الجذب، والقدرة الاستيعابية للموقع، ومتطلبات حماية البيئة، فضلاً عن فرص الاستثمار الممكنة. ويمكن أن تشكل نتائج هذه الدراسة أساساً لإعداد مشروع ترابي تشارك فيه مختلف القطاعات والمؤسسات والمنتخبون والقطاع الخاص والساكنة المحلية.
ويبقى السؤال المطروح: هل تعمل وزارة السياحة والقطاعات والمؤسسات المعنية على إدماج جبل 44 وواد “زا” ضمن رؤية مستقبلية لتثمين المؤهلات السياحية لإقليم تاوريرت؟
فالمؤهلات الطبيعية الموجودة في المنطقة تطرح إمكانية تطوير سياحة جبلية وبيئية قادرة على خلق قيمة مضافة محلية، خصوصاً لفائدة الشباب. ويمكن لمثل هذا المشروع، في حال توفر الاستثمار والتخطيط والتجهيزات الضرورية، أن يفتح فرصاً للشغل في الإرشاد السياحي، والنقل، والإيواء، والمطعمة، وتنظيم الرحلات، والأنشطة الرياضية، وتسويق المنتجات المحلية والصناعة التقليدية.
ساكنة تاوريرت تراهن على التنمية لفتح آفاق جديدة أمام الشباب
وفي خضم هذه الطموحات، تضع ساكنة إقليم تاوريرت آمالاً كبيرة على أن تتضافر جهود مختلف المتدخلين، وفي مقدمتهم عامل الإقليم بدر بوسيف، من أجل الدفع بهذا التصور التنموي والسياحي نحو مرحلة أكثر تقدماً، وفتح نقاش مؤسساتي حول إمكانية بلورة مشروع متكامل لتثمين جبل 44 وواد زا والمجالات الطبيعية المحيطة بهما.
ولا يتعلق الأمر، وفق هذا التصور، بمشروع سياحي فقط، وإنما برؤية تنموية يمكن أن يكون لها أثر مباشر على الاقتصاد المحلي، من خلال خلق فرص جديدة أمام الشباب، وتشجيع الاستثمار والمبادرات المحلية، ودعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وربط التنمية السياحية بالتكوين والتشغيل.
وتكتسب هذه المسألة أهمية اجتماعية خاصة في ظل التحديات التي تواجه فئة من شباب المنطقة الباحثين عن فرص اقتصادية ومستقبل مهني أكثر استقراراً. فغياب الآفاق قد يدفع بعض الشباب إلى التفكير في الهجرة غير النظامية، رغم المخاطر الكبيرة المرتبطة بها، وما تخلفه من مآسٍ إنسانية على الأسر والمجتمع.
ومن هنا، فإن خلق فرص الشغل محلياً لا يمثل فقط خياراً اقتصادياً، بل يمكن أن يشكل أيضاً آلية للحد من دوافع الهجرة غير النظامية وتعزيز ارتباط الشباب بمجالهم. فحين يجد الشاب فرصة للتكوين والعمل والاستثمار داخل منطقته، يصبح الأمل في المستقبل مرتبطاً بإمكانات التنمية المحلية بدل المخاطرة بالحياة بحثاً عن مستقبل مجهول.
وتراهن الساكنة على أن يشكل التعاون بين السلطات الإقليمية والقطاعات الحكومية والمجالس المنتخبة والقطاع الخاص والفاعلين المحليين مدخلاً لإخراج مثل هذه المشاريع من دائرة الأفكار والطموحات إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، وفق دراسة دقيقة وتمويل واضح وحكامة ناجعة.
من جبل 44 إلى وجهة سياحية واعدة
إن تأهيل جبل 44 وواد “زا”، إذا ما توفرت الشروط العلمية والمؤسساتية والمالية اللازمة، يمكن أن يفتح الباب أمام نموذج جديد للتنمية السياحية بإقليم تاوريرت، يقوم على استثمار الطبيعة دون الإضرار بها، وعلى إشراك الساكنة المحلية في مختلف مراحل المشروع.
وقد يتحول هذا المجال مستقبلاً إلى وجهة تستقطب محبي الطبيعة والمغامرة والسياحة الجبلية، مع تطوير مسارات للمشي والاستكشاف، وفضاءات للإيواء والتخييم، ونقاط للمشاهدة، وخدمات للإرشاد والنقل، إلى جانب تثمين المنتجات المجالية والصناعة التقليدية.
والرهان الأكبر يظل هو خلق تنمية يشعر المواطن بآثارها في حياته اليومية، خصوصاً الشباب، من خلال توفير فرص حقيقية للتكوين والتشغيل والاستثمار.
فجبل 44 وواد زا ليسا مجرد تضاريس طبيعية، بل يمكن أن يشكلا، ضمن رؤية مدروسة ومستدامة، رصيداً تنموياً وسياحياً لإقليم تاوريرت. وبين طموح الساكنة وإمكانات المنطقة، يبقى التعاون المؤسساتي الجاد قادراً على تحويل هذا الحلم إلى مشروع واقعي، يجعل من السياحة رافعة للتنمية ومن فرص الشغل بديلاً عن المخاطر التي تدفع بعض الشباب إلى ركوب طرق الهجرة غير النظامية.