حين يتحول الميكروفون إلى موقف.. بادة يُفند سردية دراجي في ليلة الإقصاء
لم تكن ليلة الإقصاء مجرد محطة كروية عابرة، بل تحولت إلى مشهد إعلامي مكثف، تداخل فيه الرياضي بالرمزي، والتعليق بالموقف. ففي خضم مباراة مشحونة بالرهانات، خرج صوت المعلق المغربي جواد بادة عن الإطار التقليدي للوصف والتحليل، ليقدم ردًا محسوبًا ومباشرًا على ما اعتبره “صرفًا” إعلاميًا متكررًا للمعلق الجزائري حفيظ دراجي، مستعيدًا النقاش إلى أرضية الوقائع لا الانفعالات.
على الهواء مباشرة، وبنبرة هادئة واثقة، اختار بادة أن يواجه السرديات المتداولة بلغة الميدان: أرقام، أداء، واستحقاق. لم يرفع صوته، ولم ينزلق إلى المهاترة، بل وضع النقاط على الحروف، مذكرًا بأن كرة القدم تُحسم داخل المستطيل الأخضر، لا في زوايا التأويل ولا عبر خطاب الاصطفاف. كان ذلك كافيًا ليصل المعنى دون ضجيج، وليفهم المتلقي أن الرسالة وُجهت بدقة.
ما ميّز تدخل بادة ليس حدته، بل توقيته. ليلة الإقصاء تضاعف حساسية الكلمات، وكل جملة تصبح قابلة للتأويل. ومع ذلك، حافظ المعلق المغربي على توازن دقيق بين الدفاع عن المنتخب الوطني واحترام ذكاء الجمهور، مُقدّمًا نموذجًا لتعليق يُراكم المعنى بدل أن يستهلك اللحظة.
في المقابل، أعاد هذا المشهد فتح نقاش قديم-جديد حول دور المعلق الرياضي: هل هو ناقل محايد أم فاعل في صناعة السرد؟ بادة قدّم جوابًا عمليًا: المعلق شاهد ومسؤول، يملك الميكروفون لكن تحكمه الحقيقة. وحين تُختزل المنافسة في خطابات خارج السياق، يصبح الرد واجبًا، شرط أن يظل في حدود المهنية.
هكذا، خرجت ليلة الإقصاء بدلالتين؛ رياضية على مستوى النتيجة، وإعلامية على مستوى الخطاب. وبينهما، سُجّل موقف سيبقى شاهدًا على أن الرصانة، حين تُحسن اختيار لحظتها، تكون أبلغ من أي انفعال، وأن الميكروفون قد يتحول—حين يلزم—إلى منصة لتصويب البوصلة، لا لتأجيج الخلاف.