حين يُختزل الفشل المدرسي في التلميذ… قراءة نقدية في منطق تشخيص صعوبات التعلم

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

تُقدَّم المبادرات الموجهة لمعالجة صعوبات التعلم غالبًا باعتبارها جوابًا إنسانيًا وتربويًا على معضلة الهدر المدرسي، وهي معضلة باتت تؤرق الأسر والمؤسسات على حد سواء. غير أن الإشكال لا يكمن في النوايا، بل في المنهج المعتمد، وفي الكيفية التي يتحول بها التدخل المحدود إلى وصفة جاهزة لمشكلة أعقد بكثير.
أبرز ما يثير النقاش في هذا النوع من البرامج هو الانزياح الواضح نحو المقاربة الفردية، حيث يُعاد تفسير التعثر الدراسي من زاوية نفسية أو طبية صِرفة، وكأن المدرسة، بمناهجها وطرق تدريسها وشروطها المادية، خارج دائرة المساءلة. يصبح التلميذ هو “المشكلة”، لا السياق الذي يتعلم داخله، وهو منطق مريح إداريًا، لكنه خطير تربويًا.
لا أحد ينكر وجود اضطرابات تعلم حقيقية تستوجب التشخيص والمواكبة، غير أن تحويلها إلى المدخل الرئيسي لتفسير الفشل المدرسي يختزل ظاهرة اجتماعية معقدة في معطى فردي. فالهدر المدرسي ليس نتاج خلل ذهني أو نفسي فقط، بل نتيجة تراكمات: فقر، هشاشة، اكتظاظ الأقسام، مناهج بعيدة عن واقع المتعلم، لغات تدريس غير متدرجة، وتكوين تربوي لا يواكب تحولات القسم.
وعندما يُنقل هذا التعقيد من مجال السياسات العمومية إلى مجال التقارير الطبية، نكون أمام ما يشبه “إعفاءً غير معلن” للمنظومة التعليمية من مسؤولياتها البنيوية. فبدل إصلاح المدرسة، يتم تطبيع الفشل عبر تسميته وتشخيصه، دون تغيير الشروط التي أنتجته.
ثم يبرز سؤال الفعالية: ما الجدوى من تشخيص أعداد من التلاميذ إذا كانت المدرسة العمومية غير مهيأة لاستيعاب نتائج هذا التشخيص؟ هل تتوفر المؤسسات على مختصين، أو على بيداغوجيا تفاضلية، أو على أدوات تقويم مرنة تسمح بمواكبة فعلية؟ أم أن الأمر ينتهي عند تسليم ملف، ليعود التلميذ إلى نفس القسم، بنفس الإيقاع، ونفس منطق الإقصاء؟
أما الحديث عن نماذج مدرسية جديدة أو “مؤسسات رائدة”، فيبقى بدوره محل تساؤل مشروع. فالتجديد لا يُقاس بالمسميات، بل بالتحول الفعلي في الممارسة: في علاقة المدرس بالمتعلم، في زمن التعلم، في طرائق الدعم، وفي الانتقال من ثقافة الامتحان إلى ثقافة المواكبة. دون ذلك، يظل التجديد شكليًا مهما حسنت نواياه.
وعلى مستوى التكوين، يتكرر نفس الإشكال البنيوي: دورات قصيرة، مرتبطة بمبادرات ظرفية، لا تُدمج ضمن رؤية مستدامة لإعادة تعريف أدوار الفاعلين التربويين داخل المدرسة. التجربة أثبتت أن التكوين غير المستمر يذوب أثره سريعًا، ويترك المدرس وحيدًا أمام واقع معقد.
ولا يمكن إغفال البعد الرمزي والنفسي لهذه البرامج، إذ إن تصنيف التلاميذ وفق “تعثراتهم” قد يؤدي، في غياب تواصل تربوي سليم، إلى إنتاج وصم غير مقصود، يرسخ الإحساس بالعجز بدل تحرير الطاقات. المدرسة الدامجة لا تُعرّف المتعلم بنقائصه، بل تخلق شروط النجاح باختلاف مساراته.
إن الانتقال من منطق الكم إلى منطق الكيف، كما ترفعه الشعارات الرسمية، لا يتحقق بتجويد أدوات التشخيص فقط، بل بإعادة التفكير في القرار التربوي نفسه. فالدعم النفسي لا يمكن أن يكون بديلاً عن إصلاح عميق للمدرسة العمومية، بل جزءًا منه.
في المحصلة، ليست الإشكالية في المبادرات الموجهة لمعالجة صعوبات التعلم، بل في الأفق الذي تُوضع فيه. فإذا ظلت مجرد تدخلات معزولة، فستعالج النتائج لا الأسباب. أما إذا أُدرجت ضمن مشروع إصلاحي شامل، يعيد للمدرسة دورها كفضاء للعدالة والإنصاف، فإنها قد تتحول من إجراء محدود إلى رافعة تغيير حقيقية.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.