ليلة الحسم بالقصر الكبير: كيف وضعت السلطات سلامة السكان فوق كل اعتبار؟
في لحظة فارقة اختلط فيها منسوب الخطر بعنصر الزمن، برزت مدينة القصر الكبير كنموذج حي لكيفية تدبير الأزمات حين تتقدم سلامة الإنسان على كل اعتبار. فمع الارتفاع المفاجئ لمنسوب المياه وتهديد الفيضانات لأحياء مأهولة بالسكان، تحركت السلطات العمومية وفق منطق واضح: الأمان أولاً، دون تردد أو حسابات جانبية.
منذ الساعات الأولى لظهور المؤشرات المقلقة، تم تفعيل مخطط استباقي دقيق، قاده عامل الإقليم بتنسيق مباشر مع مختلف المصالح الأمنية والسلطات المحلية، حيث انتقلت التدخلات من مرحلة التتبع إلى التنفيذ الميداني السريع. وقد شكل القرار الحاسم بإخلاء المناطق المهددة خطوة محورية جنّبت المدينة سيناريوهات كارثية محتملة.
العملية لم تكن ارتجالية، بل اعتمدت على تقييم ميداني دقيق للوضع، وتحديد النقاط السوداء الأكثر عرضة للخطر، مع تعبئة شاملة لعناصر الوقاية المدنية، والأمن الوطني، والقوات المساعدة، إلى جانب دعم لوجستي أساسي وفرته مختلف المصالح المعنية. وتمت عملية الإخلاء في ظروف منظمة، اتسمت بالانضباط وسلاسة التواصل مع الساكنة، ما ساهم في تفادي حالات الهلع أو الفوضى.
وفي قلب هذه الملحمة، برز الدور المحوري للسلطات الأمنية التي أشرفت على تأمين محيط الأحياء المُفرغة، وحماية الممتلكات، وضمان انسيابية عمليات النقل والإجلاء، فيما واصلت عناصر الوقاية المدنية تدخلاتها لإنقاذ العالقين ومراقبة تطور الوضع الميداني على مدار الساعة.
كما واكبت السلطات المحلية العملية بجهد إنساني ملموس، من خلال توفير مراكز إيواء مؤقتة مجهزة بالحد الأدنى من شروط الكرامة، وضمان تزويد المتضررين بالغذاء والماء والأغطية، في تعبير عملي عن مقاربة تجعل من المواطن محور التدخل العمومي في أوقات الأزمات.
ولم يكن النجاح المحقق وليد الصدفة، بل ثمرة لتراكم خبرات مؤسساتية في تدبير المخاطر الطبيعية، واعتماد سياسة تقوم على الاستباق بدل رد الفعل، وعلى القرار الشجاع بدل الانتظار المكلف. وقد جسدت هذه المقاربة الثقة المتبادلة بين الدولة والمواطن، حيث تجاوبت الساكنة مع تعليمات الإخلاء بروح من المسؤولية والوعي الجماعي.
إن ما حدث بالقصر الكبير لا يمكن اختزاله في عملية إخلاء عابرة، بل يمثل درسًا عمليًا في حكامة الأزمات، ورسالة واضحة مفادها أن حماية الأرواح تظل أولوية لا تقبل المساومة، وأن الدولة، عندما تشتد المحن، تكون حاضرة بقراراتها ومؤسساتها في الصفوف الأمامية.
هكذا كُتبت ملحمة “الأمان أولاً”، لا بالأقوال، بل بالفعل الميداني، حيث انتصرت سرعة القرار، وقوة التنسيق، وسمو الهدف، لتبقى القصر الكبير شاهدًا على أن الاستعداد الجيد يصنع الفرق حين يداهم الخطر.