بعد الثامنة مساءً: مسؤولية الأسرة بين حماية الأطفال وصون السكينة العامة

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

تتجدد في الآونة الأخيرة دعوات مجتمعية متزايدة تدعو إلى تقنين تواجد الأطفال والقاصرين في الشارع خلال الفترات المسائية، خاصة بعد الساعة الثامنة ليلاً. ولا تنبع هذه المطالب فقط من الحرص على راحة الساكنة وضمان الهدوء داخل الأحياء، بل تتأسس أيضاً على هاجس حماية الأطفال من المخاطر التي تتزايد مع حلول الظلام، في ظل غياب المراقبة الأسرية.
هذا التوجه يجد سنده في القيم الدينية والتربوية، حيث ورد في الحديث النبوي الشريف توجيه واضح بضرورة إبقاء الأطفال في المنازل عند حلول المساء، لما يحمله ذلك من أبعاد وقائية وسلوكية تعكس حرصاً مبكراً على سلامة النشء. وهي دعوة تتقاطع مع ما يفرضه الواقع اليوم من تحديات، في ظل اتساع رقعة الانحرافات والسلوكيات الخطرة في بعض الفضاءات الحضرية.
غير أن ما يثير الانتباه هو نوع من التناقض في سلوك بعض الأسر، حيث تُبدي حرصاً كبيراً على تتبع تفاصيل يوم الطفل داخل المدرسة، من لحظة الالتحاق إلى لحظة المغادرة، بينما يتراجع هذا الحرص بشكل ملحوظ خلال الفترة المسائية، حيث يُترك الأطفال في الشارع لساعات طويلة دون مرافقة أو توجيه.
هذا الغياب للرقابة لا ينعكس فقط على سلامة الأطفال، بل يساهم أيضاً في خلق أجواء من الفوضى داخل الأحياء، نتيجة الضجيج أو بعض السلوكيات غير المنضبطة، ما يطرح تساؤلات جدية حول حدود مسؤولية الأسرة في التأطير والتربية خارج الإطار المدرسي.
وفي هذا السياق، يبرز مطلب اعتماد إجراءات تنظيمية تحدد أوقات تواجد القاصرين في الفضاءات العامة، كخيار قابل للنقاش، شريطة أن يكون مرفوقاً بحملات توعية وتحسيس تستهدف الآباء والأمهات، وتؤكد أن دورهم لا يتوقف عند حدود التعليم، بل يمتد ليشمل الحماية والتوجيه المستمرين.
إن تحقيق التوازن بين حرية الطفل وحقه في اللعب، وبين ضرورة حمايته وضمان راحة المجتمع، يظل رهيناً بتعاون الجميع: الأسرة، المدرسة، والسلطات، في إطار رؤية شمولية تعيد الاعتبار لقيم المسؤولية المشتركة، وتضمن بيئة آمنة ومستقرة للجميع.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.