عقوبات حبسية قاسية وغرامات مالية ثقيلة لمواجهة التلاعب في العملية الانتخابية وحماية سرية التصويت
على بعد 24 من إنطلاق عملية التصويت في الإنتخابات التشريعية 2026، تتجدد في الواجهة الوطنية أهمية تطبيق المنظومة القانونية الهادفة إلى تحصين المسار الديمقراطي وصون الإرادة الشعبية من أي شوائب محتملة.
وفي هذا السياق، يبرز القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، لاسيما بعد تعديلاته وتتميماته الأخيرة، كدرع تشريعي حازم يضع نصب عينيه حماية حرية الناخبين، ضمان سرية أصواتهم، والتصدي الصارم لمختلف أشكال التأثير غير المشروع أو العنف أو العرقلة التي قد تمس بسلامة الاقتراع والفرز والإحصاء.
حظر تقنيات التواصل وحماية سرية الاختيار داخل المكاتب
ولأن سرية التصويت تعد ركناً أساسياً من أركان العملية الديمقراطية النزيهة، فقد بادر المشرع إلى وضع قيود صارمة داخل مكاتب التصويت. وتنص المادة 50 صراحة على منع إدخال الهاتف النقال، أو أي جهاز معلوماتي، أو وسائل التصوير والاتصال السمعي البصري إلى القاعات المخصصة للتصويت، أو المكاتب المركزية، ولجان الإحصاء بمختلف مستوياتها.
ولا يستثني القانون من هذا المنع، حسب نفس المادة، سوى رؤساء الهيئات المشرفة على العمليات والأشخاص المرخص لهم رسميا بذلك.
وتتكامل هذه الإجراءات مع مقتضيات المادة 75 التي تلزم الناخب بالدخول إلى المعزل لوضع علامته في سرية تامة، حظرا لأي نقاش أو جدال داخل مكتب التصويت قد يؤثر على صفو العملية أو يوجه الناخبين.
وفي السياق ذاته، تواجه المادة 63 محاولات الإرغاج أو التأثير على إرادة الناخبين بقبضة حديدية، حيث تقر عقوبات حبسية تتراوح بين سنتين وخمس سنوات، وغرامات مالية قاسية تصل إلى 100 ألف درهم، لكل من لجأ إلى التهديد، أو العنف، أو التخويف بفقدان الوظيفة أو الضرر المادي والنفسي للتأثير على خيارات المواطنين.
تشديد العقوبات على الاقتحام والاعتداءات المرتبطة بالعملية
ولم تقتصر المقتضيات الزجرية على محاولات التأثير النفسي، بل امتدت لتشمل الجرائم الميدانية والاعتداءات المباشرة على سير الانتخابات. وهكذا شددت المادة 54 العقوبة على كل من اقتحم أو حاول اقتحام قاعة التصويت بهدف عرقلة اختيار الناخبين، لترتفع العقوبة الحبسية من سنة إلى ثلاث سنوات، وتشدد العقوبة إلى مستويات قياسية تتراوح بين خمس وعشر سنوات سجناً نافذاً في حال اقتران الاقتحام بحمل السلاح، أو في إطار خطة مدبرة ومسبقة تستهدف تراب عمالة أو دائرة انتخابية برمتها وفق المادة 55.
وتعكس هذه العقوبات المتصاعدة والمشددة حسب درجة خطورة الانتهاك، الإرادة الواضحة للمشرع لقطع الطريق أمام أي محاولة لترويع الناخبين أو القائمين على المكاتب الانتخابية، مع التأكيد على أن المتابعات الجنائية تظل قائمة ومفتوحة لتشمل كل الأفعال الإجرامية المحيطة بالاستحقاقات.
جزاءات صارمة تصل إلى الحرمان من الحقوق السياسية
ولا يقف أثر المخالفات الانتخابية عند حدود العقوبات السالبة للحرية والغرامات المالية، بل يتعداها إلى إسقاط حقوق أساسية للمدانين. فالمادة 58 والمادة 59 تقران عقوبات بالحبس من خمس إلى عشر سنوات لكل من تورط في كسر صندوق الاقتراع، أو فتح أوراق التصويت، أو الاستيلاء على الصندوق قبل إتمام الفرز.
وفي الاتجاه ذاته، تعاقب المادة 67 كل خرق لسرية التصويت أو محاولة الحيلولة دون إجراء الاقتراع، سواء ارتكب الفعل داخل مكاتب التصويت أو خارجها، مع مضاعفة العقوبة إذا كان مرتكب الجريمة موظفاً عمومياً أو مأموراً للإدارة.
وتتوج هذه المنظومة الزجرية بمقتضيات المادة 66 التي ترتب بقوة القانون الحرمان من حق التصويت لمدة خمس سنوات، ومن حق الترشح لفترتين نيابيتين متتاليتين في حق كل من صدرت في حقه الأحكام المرتبطة بالجرائم المذكورة.
وهكذا، ترسم هذه الترسانة القانونية المتكاملة حدوداً فاصلة بين ممارسة ديمقراطية شفافة ومسؤولة، وبين ممارسات منحرفة تجد نفسها أمام عقوبات ردعية تكفل صون نزاهة الاقتراع من بدايته إلى إعلان نتائجه النهائية.