تحولات النظام الدولي ومكانة المغرب: الرؤية الملكية بين عمق التاريخ واستشراف المستقبل
يشهد العالم في العقدين الأخيرين تحولات متسارعة أعادت رسم معالم الخريطة السياسية الدولية، وكسرت الكثير من المسلّمات التي حكمت العلاقات بين الدول منذ نهاية الحرب الباردة. فصعود قوى جديدة، وتراجع أخرى، وتنامي النزاعات الجيوسياسية، كلها مؤشرات على انتقال العالم نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، يتسم بعدم اليقين وتداخل المصالح وتشابك موازين القوة.
وسط هذا السياق الدولي المضطرب، يبرز المغرب كدولة اختارت قراءة التحولات لا من موقع ردّ الفعل، بل من موقع الفعل الاستباقي، مستنداً إلى رؤية ملكية واضحة المعالم، تجمع بين الوفاء لثوابت التاريخ، والانخراط الواعي في رهانات المستقبل.
لقد أدركت المؤسسة الملكية، في وقت مبكر، أن التحولات العالمية لا تُدار بالشعارات ولا بالتموقع الظرفي، بل ببناء سياسة خارجية متوازنة، قائمة على تنويع الشراكات، وترسيخ الاستقلالية في القرار السيادي، دون الدخول في منطق المحاور المغلقة أو الاصطفافات الجامدة. وهو ما جعل الدبلوماسية المغربية تتحرك بثبات في فضاءات متعددة، من إفريقيا إلى أوروبا، ومن العالم العربي إلى العمق الأطلسي والمتوسطي.
وتشكل إفريقيا إحدى الركائز المركزية في الرؤية الملكية، ليس فقط باعتبارها مجالاً جغرافياً، بل كخيار استراتيجي طويل المدى. فقد انتقل المغرب، في علاقته بالقارة، من منطق الحضور الرمزي إلى منطق الشراكة الفعلية، عبر مشاريع اقتصادية وتنموية كبرى، ومبادرات تضامن واقعية، جعلت منه فاعلاً موثوقاً وشريكاً استراتيجياً في جنوب العالم.
في المقابل، حافظ المغرب على علاقاته التاريخية مع شركائه التقليديين، خصوصاً في أوروبا وأمريكا الشمالية، لكن ضمن مقاربة جديدة قوامها الندية، واحترام المصالح المتبادلة، ورفض أي مساس بالثوابت الوطنية. وقد برز هذا التوجه بوضوح في تدبير القضايا الاستراتيجية، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية، التي تحولت بفضل الرؤية الملكية إلى معيار حقيقي لقياس صدقية الشراكات الدولية.
ولا تنفصل هذه السياسة الخارجية عن رؤية داخلية تعتبر الاستقرار السياسي، والإصلاح المؤسساتي، والتنمية الاقتصادية، عناصر أساسية لتعزيز موقع المغرب في عالم شديد التنافس. فالقوة، في المفهوم الملكي، لا تختزل في النفوذ العسكري أو الاقتصادي فقط، بل في قدرة الدولة على تحقيق التماسك الداخلي، وبناء نموذج تنموي قادر على الصمود في وجه الأزمات.
إن قراءة موقع المغرب في الخريطة السياسية العالمية اليوم، لا يمكن فصلها عن هذا التراكم الاستراتيجي الذي قاده الملك محمد السادس، رؤية هادئة في الشكل، عميقة في المضمون، جعلت من المملكة فاعلاً يحظى بالاحترام، لا لأنه يساير التحولات، بل لأنه يفهمها، ويتفاعل معها بذكاء، ويعيد توجيهها بما يخدم مصالحه العليا.
في عالم يتغير بسرعة، اختار المغرب أن يثبت أقدامه لا على رمال التحالفات المؤقتة، بل على صخرة التاريخ، وبوصلة الاستشراف، وهو ما يمنحه موقعاً متقدماً في معادلات الحاضر، وأفقاً واسعاً في رهانات المستقبل.