“التجميع الفلاحي”رهان استراتيجي لضبط الأسواق وكبح الأسعار وحماية القدرة الشرائية للمغاربة
في ظل التقلبات التي تعرفها أسعار المواد الغذائية وتزايد الضغوط على القدرة الشرائية للأسر المغربية، يبرز “التجميع الفلاحي” كأحد الخيارات الاستراتيجية الرامية إلى إعادة تنظيم سلاسل الإنتاج والتسويق، والحد من الاختلالات التي ترفع الأسعار بين الضيعة والمستهلك.
ويقوم هذا النموذج على تجميع صغار الفلاحين ضمن منظومات إنتاجية مهيكلة، تربطهم بمستثمرين أو شركات كبرى تتولى التأطير التقني، والتسويق، والتخزين، بما يضمن استقراراً أكبر في العرض، وتحسين جودة المنتوج، وتقليص كلفة الوساطة التي غالباً ما تثقل كاهل المستهلك.
ويرى خبراء في الشأن الفلاحي أن التجميع الفلاحي يمكن أن يشكل أداة فعالة لضبط الأسواق، عبر ضمان تدفق منتظم للمنتجات الزراعية، والحد من المضاربات الموسمية التي تؤدي إلى ارتفاعات مفاجئة في الأسعار، خصوصاً في المواد الأساسية ذات الاستهلاك الواسع.
كما يسهم هذا النموذج في تحسين دخل الفلاحين الصغار، من خلال تمكينهم من ولوج أفضل إلى التمويل، والتكنولوجيا، وقنوات التوزيع الحديثة، بدل الارتهان للوسطاء التقليديين الذين يفرضون شروطاً مجحفة في كثير من الأحيان. وهو ما يخلق توازناً بين حماية المنتج من جهة، وتخفيف العبء عن المستهلك من جهة أخرى.
وعلى مستوى الأسواق، يُنتظر أن يساهم تعميم التجميع الفلاحي في تقليص الفاقد من الإنتاج، وتحسين التخزين والتبريد، وتسريع وصول المنتوجات إلى نقاط البيع، مما ينعكس إيجاباً على الأسعار النهائية، ويحد من تقلبها، خاصة خلال فترات الذروة أو الأزمات المناخية.
ورغم الآفاق الواعدة، يؤكد مهنيون أن نجاح هذا الورش يظل رهيناً بتقوية الإطار القانوني والتنظيمي، وضمان حكامة شفافة داخل مشاريع التجميع، مع مواكبة حقيقية للفلاحين الصغار حتى لا يتحول النموذج إلى أداة لهيمنة الفاعلين الكبار على حساب المنتجين الصغار.
وفي سياق تتزايد فيه المطالب بضبط الأسعار وتأمين تموين الأسواق، يبدو أن التجميع الفلاحي يمثل فرصة حقيقية لإرساء سوق أكثر توازناً، تضمن استقرار الأسعار، وتعزز الأمن الغذائي، وتعيد الاعتبار لدور الفلاح في معادلة الإنتاج والاستهلاك، بما يخدم في نهاية المطاف مصلحة المستهلك المغربي.