دولة الكابرانات عارية أمام السيول: عندما ينهار الإسفلت ويبقى القمع آخر “إنجاز”
سقط القناع بالكامل. لم تحتج الجزائر إلى تقرير دولي أو لجنة تقصي حقائق كي تُعرّي نموذج حكمها؛ قطرات مطر كانت كافية. فمع أول سيل، تهاوت البنية التحتية، وغرقت الأحياء، وانكشف جوهر الدولة كما هو: نظام يُتقن الضبط ويعجز عن الإنقاذ، ويستعرض القوة حين يغيب الحد الأدنى من الحكامة.
في بلد يُنفق المليارات على الاستعراضات الفارغة، كان المنتظر أن تهبط المروحيات وتُفتح المسالك وتُستنهض منظومات الطوارئ. لكن الذي حضر سريعاً هو الأمن بلباس مكافحة الشغب. هراوات بدل أطواق نجاة، حصار بدل إغاثة، وصافرات بدل إسعافات. كأن الرسالة واحدة لا تتغير: الدولة لا تأتيك حين تغرق… لكنها تأتيك حين تُخرج هاتفك.
الفضيحة ليست في الأمطار، فالكوارث الطبيعية لا تُسائل أحداً. الفضيحة في إدارة الكارثة بعقلية ثكنة. حين يُعامل المنكوب كخطر، والتصوير كجريمة، والغضب كتمرّد. هنا لا تكون الأولوية لإنقاذ الأرواح، بل لإنقاذ الرواية الرسمية من الانهيار. تُغلق العدسات، تُكمم الأصوات، وتُدفن الحقيقة تحت الوحل.
الأدهى أن هذا السلوك ليس زلّة ظرفية، بل عقيدة حكم. عقيدة ترى في كل تجمع احتمال عصيان، وفي كل مأساة فرصة لتشديد القبضة. لذلك تختفي “الجاهزية” حين يُطلب منها العمل، وتظهر كاملة حين يُطلب منها القمع. دولة لا تبني قنوات تصريف، لكنها تُحكم إغلاق قنوات التعبير.
يسأل الشارع بمرارة: أين ذهبت أموال “الدولة القوية”؟ لماذا لا تُترجم القوة إلى إنقاذ، والسيادة إلى خدمة، والموارد إلى حماية؟ الجواب المؤلم أن القوة هنا تعريفها ضيق: قوة على المواطن لا قوة له. وما إن تختبرها الطبيعة، حتى تتبخر، تاركة الناس وحدهم في مواجهة الماء… والسلطة في مواجهة الكاميرا.
هكذا تُثبت دولة الكابرانات مرة أخرى أنها بارعة في إدارة الخوف وفاشلة في إدارة الحياة. وأن “الاستقرار” الذي تتباهى به هشّ، يسقط مع أول سيل. فالبلدان تُقاس بقدرتها على حماية مواطنيها ساعة الخطر، لا بقدرتها على إسكاتهم بعده. وفي هذا الميزان، جاءت النتيجة قاسية: الدولة غرقت قبل أن يجف الوحل.