النيابة العامة تعزز مسطرة الصلح في القضايا الزجرية وتدعو لاعتمادها كبديل للدعوى العمومية
دعت رئاسة النيابة العامة إلى إعطاء الأولوية لمسطرة الصلح في معالجة القضايا الزجرية، باعتبارها آلية قانونية فعالة يمكن أن تشكل بديلاً عن تحريك الدعوى العمومية متى توفرت شروطها القانونية. وجاء ذلك في دورية وجهتها إلى الوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف ووكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية، تحثهم فيها على تفعيل هذه المسطرة بشكل أوسع في إطار السياسة الجنائية الحديثة.
وأكدت الدورية على ضرورة المبادرة إلى اقتراح الصلح بين الأطراف المعنية أو الاستجابة لطلب إجرائه عندما تسمح بذلك المقتضيات القانونية، وذلك وفق ما تنص عليه المادتان 41 و41-1 من قانون المسطرة الجنائية، إضافة إلى المادة 461 المتعلقة بالحالات التي يكون فيها طفل في نزاع مع القانون.
وشددت رئاسة النيابة العامة على أهمية تفعيل آليات الوساطة بين الأطراف، ومنح الوسطاء الوقت الكافي لتهيئة ظروف التوافق، بما يساهم في إنجاح مساعي الصلح وضمان حماية حقوق جميع الأطراف. كما اعتبرت أن هذا التوجه ينسجم مع مبادئ العدالة التصالحية التي أصبحت أحد المرتكزات الأساسية في تحديث منظومة العدالة الجنائية.
ودعت الدورية إلى تحديد الغرامة التصالحية وفق الضوابط القانونية المعمول بها، على ألا تتجاوز نصف الحد الأقصى للغرامة المقررة للجريمة، أو أن يتم إصلاح الضرر الناتج عن الفعل الجرمي. كما أكدت على ضرورة تتبع تنفيذ الالتزامات المتفق عليها داخل الآجال المحددة، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حال الإخلال ببنود الصلح أو ظهور معطيات جديدة تؤثر على مسار الدعوى العمومية.
وفي السياق ذاته، أوضحت رئاسة النيابة العامة أن نتائج تفعيل مسطرة الصلح ستُدرج ضمن معايير تقييم أداء النيابات العامة، داعية إلى موافاتها بانتظام بالمعطيات الإحصائية المتعلقة بتطبيق هذه الآلية.
وتندرج هذه التوجيهات في إطار المستجدات التي جاء بها القانون رقم 03.23 المعدل لقانون المسطرة الجنائية، والذي وسّع نطاق الجرائم القابلة للتسوية عبر الصلح. فبعدما كانت هذه الإمكانية تقتصر سابقاً على الجنح الضبطية، أصبحت تشمل أيضاً عدداً من الجنح التأديبية الأكثر شيوعاً، مثل الضرب والجرح والسرقة والنصب وخيانة الأمانة.
وبموجب هذه التعديلات، أصبح بإمكان وكيل الملك اقتراح الصلح بشكل تلقائي بين الأطراف، أو اللجوء إلى وسيط أو محامي الأطراف أو مكتب المساعدة الاجتماعية بالمحكمة للمساعدة على إنجاح هذه المسطرة. كما يسمح القانون بإجراء الصلح حتى في حالة غياب المشتكي أو في حال تنازل المتضرر كتابة، وذلك عبر أداء غرامة تصالحية أو إصلاح الضرر الناتج عن الفعل الجرمي مع تحرير محضر رسمي لمتابعة تنفيذ الالتزامات.
كما أبرزت الدورية إمكانية تطبيق مسطرة الصلح في القضايا التي يكون أحد أطرافها طفلاً في نزاع مع القانون، وفق الشروط القانونية المحددة، بما يراعي المصلحة الفضلى للطفل ويجنب دخوله في مسار المتابعة القضائية، مع الحفاظ على اندماجه داخل محيطه الأسري والاجتماعي.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى تزايد اعتماد هذه الآلية خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفع عدد المستفيدين من مسطرة الصلح من 8219 حالة سنة 2023 إلى 15862 حالة سنة 2024، ليصل إلى 21963 حالة سنة 2025، مسجلاً بذلك ارتفاعاً يناهز 38 في المائة، وهو ما يعكس تنامي الاعتماد على هذا المسار البديل في تدبير النزاعات الجنائية.